
شنت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية، المملوكة لإمبراطورية روبرت مردوخ الإعلامية والمعروفة بتوجهاتها المحافظة، هجومًا حادًا على الرئيس دونالد ترامب، محملة إياه المسؤولية الرئيسية عن الهزيمة الكبيرة التي تعرض لها الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية لعام 2026، بعدما نجح الديمقراطيون في انتزاع السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ.
وفي افتتاحية نشرتها صباح الأربعاء 4 نوفمبر بعنوان «لحظة محاسبة ترامب قد حانت»، اعتبرت هيئة تحرير الصحيفة أن نتائج الانتخابات تمثل أكثر من مجرد خسارة اعتيادية لحزب حاكم، بل تكشف عن انهيار واسع في التأييد السياسي الذي تمكن ترامب من حشده خلال انتخابات الرئاسة عام 2024.
وكتبت الصحيفة أن ترامب بدأ بالفعل إلقاء اللوم على الآخرين، لكنه المهندس الرئيسي لهذه الهزيمة، في انتقاد لافت صادر عن واحدة من أبرز المؤسسات الإعلامية المحافظة في الولايات المتحدة.
وجاء الهجوم بعد ساعات من إعلان فوز الديمقراطيين بالأغلبية في مجلسي الكونغرس، في تحول سياسي سيجبر ترامب على التعامل مع سلطة تشريعية يسيطر عليها خصومه خلال العامين الأخيرين من ولايته الثانية.
وول ستريت جورنال تحمل ترامب مسؤولية انهيار الجمهوريين
اعتبرت هيئة تحرير وول ستريت جورنال أن أسلوب ترامب في إدارة ولايته الثانية تسبب في ابتعاد قطاعات واسعة من الناخبين الذين دعموا الحزب الجمهوري قبل عامين.
ووصفت إدارته بأنها اتسمت بالتقلب والانشغال بالمصالح الشخصية، معتبرة أن الرئيس لم يحافظ على التحالف الانتخابي الذي ساعده على العودة إلى البيت الأبيض.
ورأت الصحيفة أن حجم الخسائر يستدعي مراجعة داخلية عميقة داخل الحزب الجمهوري، خصوصًا بعدما امتدت انتصارات الديمقراطيين إلى ولايات كانت تعد معاقل تقليدية للمحافظين.
ولم تقتصر الانتكاسة على انتخابات مجلس النواب، إذ خسر الجمهوريون أيضًا مقاعد مهمة في مجلس الشيوخ، إلى جانب مناصب حكام ولايات ومقاعد في المجالس التشريعية المحلية.
وأشارت الصحيفة إلى أن لهذه النتائج تداعيات قد تستمر سنوات، لأنها لا تعكس مجرد احتجاج مؤقت على إدارة ترامب، بل تثير تساؤلات بشأن مستقبل الحزب الجمهوري واتجاهه السياسي بعد انتهاء رئاسته.
الحرب مع إيران والرسوم الجمركية وراء غضب الناخبين
وضعت الصحيفة السياسات الاقتصادية والحرب الأمريكية مع إيران في مقدمة الأسباب التي ساهمت، وفق تقييمها، في خسارة الجمهوريين.
فقد واجه ملايين الأمريكيين ارتفاعًا في تكاليف المعيشة وأسعار الوقود، بينما تعرضت إدارة ترامب لانتقادات بسبب الرسوم الجمركية التي فرضتها على الواردات من عدد من الشركاء التجاريين.
واعتبرت هيئة التحرير أن الحرب مع إيران زادت الضغوط على أسعار الطاقة، لكنها انتقدت بصورة خاصة ما وصفته بغياب استراتيجية واضحة وثابتة للرئيس بشأن أهداف العمليات العسكرية.
ورأت الصحيفة أن ترامب لم يقدم تفسيرًا متماسكًا للأمريكيين بشأن ما يريد تحقيقه من الحرب، في وقت كانت تداعياتها الاقتصادية والسياسية تتزايد داخليًا.
وكان ترامب قد عاد إلى السلطة عام 2025 متعهدًا بخفض تكاليف المعيشة وتجنب التورط في صراعات خارجية طويلة، وهي وعود أصبحت محورًا لانتقادات خصومه بعد اندلاع الحرب مع إيران.
وفي مقابلة هاتفية مع وول ستريت جورنال عقب الانتخابات، أقر ترامب بأن الحرب مع إيران ساهمت جزئيًا في خسارة الجمهوريين، لكنه دافع عن قراره العسكري وأكد أنه كان سيتخذه مجددًا.
مرشحو ترامب يخسرون في معاقل الحزب الجمهوري
انتقدت وول ستريت جورنال أيضًا تدخل ترامب في اختيار مرشحي الحزب الجمهوري، معتبرة أنه دعم شخصيات لم تكن تمتلك القدرة الكافية على الفوز في انتخابات تنافسية.
وأشارت إلى خسائر الجمهوريين في سباقات مجلس الشيوخ بولايـات تكساس وكارولاينا الشمالية وجورجيا، حيث لم تنجح الشخصيات التي دعمها ترامب في الحفاظ على المقاعد أو انتزاعها من الديمقراطيين.
وشهدت تكساس واحدة من أبرز المفاجآت الانتخابية، بعدما فاز الديمقراطي جيمس تالاريكو بمقعد مجلس الشيوخ على حساب الجمهوري كين باكستون، ليصبح أول ديمقراطي يفوز بمقعد للولاية في المجلس منذ 38 عامًا.
كما حقق الديمقراطيون انتصارات في ولايات محافظة أخرى، بينها كارولاينا الجنوبية وكانساس، في نتائج كشفت عن اتساع نطاق التحول الانتخابي بعيدًا عن المناطق التي اعتاد الحزب الديمقراطي الفوز فيها.
وترى الصحيفة أن هذه الخسائر تكشف حدود قدرة ترامب على نقل شعبيته الشخصية إلى مرشحين آخرين، خصوصًا عندما لا يكون اسمه موجودًا على بطاقة الاقتراع.
قاعة احتفالات البيت الأبيض وثروة عائلة ترامب تثيران الجدل
لم تحصر الصحيفة انتقاداتها في الاقتصاد والسياسة الخارجية، بل اتهمت ترامب بالانشغال بمشروعات شخصية مثيرة للجدل في واشنطن، بينما كان الناخبون يواجهون ضغوطًا معيشية متزايدة.
ومن بين هذه المشروعات قاعة الاحتفالات الجديدة في البيت الأبيض، إلى جانب خططه لإنشاء قوس تذكاري ضخم في العاصمة الأمريكية.
واعتبرت هيئة التحرير أن اهتمام الرئيس بهذه المشروعات ساهم في تعزيز الانطباع بأنه يعطي الأولوية لأجندته الشخصية بدل معالجة المشكلات الاقتصادية التي تشغل المواطنين.
كما تطرقت إلى الجدل بشأن نمو ثروة ترامب وعائلته خلال ولايته الثانية، والاتهامات المتعلقة بتضارب المصالح واستغلال النفوذ، وهي قضايا أثارت انتقادات سياسية وإعلامية متكررة.
ورأت الصحيفة أن اجتماع هذه الملفات مع ارتفاع الأسعار والحرب الخارجية أدى إلى تراجع ثقة قطاعات من الناخبين في الإدارة الجمهورية.
ترامب يرفض المسؤولية: لو ترشحت لفزنا باكتساح
في المقابل، رفض دونالد ترامب تحميله مسؤولية الهزيمة، معتبرًا أن النتائج لا تمثل حكمًا مباشرًا على شعبيته لأنه لم يكن مرشحًا شخصيًا في الانتخابات النصفية.
وكتب عبر منصته تروث سوشيال أنه لم يكن موجودًا على بطاقة الاقتراع، مؤكدًا أنه لو كان مرشحًا لحقق الجمهوريون فوزًا كاسحًا.
وجاء هذا الرد بعدما طلبت صحيفة ديلي بيست تعليق البيت الأبيض على افتتاحية وول ستريت جورنال، فأحالها المسؤولون إلى منشورات ترامب على حسابه الشخصي.
وتتعارض هذه القراءة مع تقييم الصحيفة المحافظة، التي ترى أن الرئيس كان صاحب التأثير الأكبر على اتجاه الحزب الجمهوري ومرشحيه، وأن الناخبين استخدموا الانتخابات للتعبير عن موقفهم من سياساته.
وتشير نتائج الاقتراع إلى تراجع الدعم الجمهوري في مناطق واسعة، بينما أظهرت تحليلات رويترز انخفاض حصة الحزب من الأصوات في الغالبية الساحقة من المقاطعات التي كانت نتائجها متاحة صباح الأربعاء، مقارنة بحصة ترامب في انتخابات 2024.
إمبراطورية روبرت مردوخ تنقلب على ترامب؟
تكتسب انتقادات وول ستريت جورنال أهمية إضافية بسبب ارتباط الصحيفة بإمبراطورية روبرت مردوخ الإعلامية، التي تضم أيضًا شبكة فوكس نيوز وصحيفة نيويورك بوست.
ورغم أن فوكس نيوز وفرت خلال السنوات الماضية مساحة واسعة للأصوات المؤيدة لترامب، فإن هيئة تحرير وول ستريت جورنال اتخذت في مناسبات متعددة مواقف نقدية تجاه سياساته الاقتصادية والخارجية.
وسبق أن انتقدت الصحيفة علاقته بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وهجماته على رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، وقرارات إدارته المتعلقة بوصول بعض المؤسسات الإعلامية إلى البيت الأبيض.
كما دخل ترامب في سجالات متكررة مع هيئة تحرير الصحيفة، التي اتهمها في وقت سابق بعدم الدقة والانحياز ضده، خصوصًا بعد انتقادها إعلانه المبكر الانتصار في الحرب مع إيران خلال أبريل 2026.
ولم تكن وول ستريت جورنال وحدها التي وجهت انتقادات حادة للرئيس بعد الانتخابات، إذ اختارت صحيفة نيويورك بوست، المملوكة أيضًا لمردوخ، صورة لترامب وهو يغرق وسط موجة زرقاء ضخمة على غلاف عدد الأربعاء، في إشارة إلى الاجتياح الانتخابي الديمقراطي.
لكن انتقادات صحف مردوخ لا تعني بالضرورة حدوث تحول موحد داخل جميع مؤسساته الإعلامية، التي تحتفظ بسياسات تحريرية مختلفة.
هزيمة الجمهوريين تفتح معركة مستقبل الحزب بعد ترامب
تمثل خسارة مجلسي النواب والشيوخ ضربة سياسية كبيرة للرئيس الأمريكي، الذي سيواجه خلال العامين الأخيرين من ولايته كونغرسًا يسيطر عليه الديمقراطيون، ويتمتع بصلاحيات واسعة في التشريع والرقابة والتحقيق.
وسيكون بإمكان الأغلبية الجديدة فتح تحقيقات بشأن قرارات الإدارة والإنفاق الحكومي وتضارب المصالح، إلى جانب عرقلة أجزاء مهمة من الأجندة التشريعية للرئيس.
لكن ترامب سيحتفظ بصلاحياته التنفيذية وحق النقض الرئاسي، ما يعني أن سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس لن تمنحهم القدرة على تمرير جميع مشروعاتهم دون تفاهمات سياسية.
أما داخل الحزب الجمهوري، فقد تفتح النتائج نقاشًا بشأن مدى استمرار الاعتماد على ترامب بوصفه الشخصية المركزية في الحزب، خصوصًا مع اقتراب انتخابات الرئاسة لعام 2028 التي لا يحق له خوضها مجددًا بموجب القيود الدستورية الحالية.
وتعكس افتتاحية وول ستريت جورنال حجم القلق داخل بعض الأوساط المحافظة من أن يكون الحزب قد ربط مستقبله السياسي بصورة مفرطة بشخصية ترامب، على حساب بناء قاعدة انتخابية قادرة على الاستمرار بعد خروجه من البيت الأبيض.
وبينما يصر الرئيس على أن غيابه عن بطاقة الاقتراع هو السبب الرئيسي للخسارة، ترى الصحيفة المحافظة أن المشكلة أعمق من ذلك، وأن نتائج نوفمبر 2026 تمثل دعوة لإعادة التفكير في الاتجاه السياسي للحزب الجمهوري خلال المرحلة المقبلة.
