
في مساء يومٍ هادئ داخل إحدى المصحات النفسية بمدينة بوسطن الأمريكية، رحل الناشط والمفكر المغربي سعيد بنجبلي، واضعًا حدًّا لحياته عبر الموت الرحيم، بعد معاناة طويلة مع اضطراب ثنائي القطب.
برحيله، ينضم إلى قائمة طويلة من المفكرين والمبدعين الذين واجهوا شبح المرض العقلي، ليجدوا أنفسهم عالقين بين لحظات من الإبداع المتوهج وسقوطٍ مرير في دوامة الاكتئاب واليأس.
سعيد بنجبلي: من النشأة الدينية إلى ادعاء النبوة
وُلد سعيد بنجبلي في المغرب، ونشأ في بيئة متدينة، في سن مبكرة، تأثر بأستاذ سلفي خلال تعليمه الأساسي، مما عزز التزامه الديني، في سن الخامسة عشرة، انضم إلى جماعة العدل والإحسان، حيث أصبح ناشطًا بارزًا وقياديًا في الجماعة.
بعد حصوله على شهادة البكالوريا في الهندسة الكيميائية عام 1998، واصل بنجبلي نشاطه في المجالين الدعوي والسياسي.
عمل مديرًا ومحرر أخبار في موقع “مغارب كم”، وكان من الأعضاء البارزين في حركة 20 فبراير التي قادت احتجاجات عام 2011 في المغرب، في عام 2010، صنفته مجلة “الأكسبريس” الفرنسية ضمن “المائة شخصية الذين يحركون المغرب”.
مع مرور الوقت، بدأ بنجبلي يشكك في بعض المسلمات الدينية، بعد هجرته إلى الولايات المتحدة الأمريكية، أعلن عن فقدانه للإيمان، مؤكدًا أن الإسلام أصبح بالنسبة له مسألة ثقافية أكثر منها دينية، في مقابلة عام 2016، أوضح بنجبلي أنه فقد إيمانه على حين غفلة، لكنه لا يعتبر نفسه ملحدًا.
بعد فترة نشر مقاطع فيديو وتدوينات يسخر فيها من الذات الإلهية والنبوة والعرش ما يؤكد أن تحرر تماما من الإيمان بالإسلام.
في خطوة مثيرة للجدل، ادعى بنجبلي النبوة، معلنًا أنه سيكشف عن “معجزات” لكسب المال بعد انهيار النظام العالمي وأن الله سينزل ويقيم معه نظاما عالميا لا حروب فيه، فيما يبدو أنها سخرية منه من فكرة النبوة.
سعيد بنجبلي: المفكر المتمرد وصراعه مع ثنائية القطب
لم يكن سعيد بنجبلي (9 مايو 1979) مجرد ناشط سياسي أو كاتب عادي، بل كان شخصية مثيرة للجدل، جمعت بين الجرأة الفكرية والتحدي المستمر للخطوط الحمراء في المجتمع العربي.
وُلد بنجبلي في المغرب، واشتهر بآرائه التي تصادمت مع التيارات التقليدية والدينية التي ترعرع بين ثنايا وخاض في النصف الأول من حياته صراعا للدفاع عنها، مما جعله في مواجهة دائمة مع السلطات والمؤسسات المحافظة.
من الدعوة إلى حرية التعبير إلى انتقاده الشديد للإسلام السياسي، لم يكن يتردد في تبني المواقف الجريئة حتى لو كلفه ذلك العزلة والنفي.
لكن خلف هذه الصورة القوية للمفكر المتمرد، كان هناك صراع داخلي مرير. فقد عانى بنجبلي لسنوات طويلة من اضطراب ثنائي القطب، وهو مرض نفسي معقد يتأرجح بين نوبات من الهوس المفرط والطاقة العالية، ونوبات اكتئاب حاد قد يصل إلى التفكير في الانتحار.
لم يكن مرضه مجرد تفصيل في حياته، بل كان عاملاً رئيسيًا في تقلباته المزاجية، واندفاعه أحيانًا في مواقفه وتصريحاته، وصولًا إلى النهاية المأساوية التي شهدها في إحدى المصحات النفسية في بوسطن، حيث اختار الموت الرحيم لإنهاء معاناته.
توفي سعيد بنجبلي (3 أبريل 2025) في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث اختار إنهاء حياته عبر الموت الرحيم في مصحة نفسية بمدينة بوسطن، بعد معاناة طويلة مع اضطراب ثنائي القطب.
بين الإبداع والمعاناة: ثنائية القطب كسلاح ذو حدين
مثل العديد من المفكرين والمبدعين الذين عانوا من هذا الاضطراب، كان بنجبلي يعيش حالة من الصراع المستمر بين الإلهام واليأس.
فالكثير من الأشخاص الذين يعانون من ثنائي القطب يظهرون قدرات إبداعية استثنائية خلال نوبات الهوس، حيث يكون العقل في حالة فرط نشاط فكري وإبداعي، لكن سرعان ما تنقلب الأمور رأسًا على عقب عندما يدخلون في نوبة اكتئاب حادة، قد تجعلهم غير قادرين حتى على مواصلة حياتهم اليومية.
وللأسف لا يفهم المجتمع المغربي والعربي معاناة سعيد بنجبلي، وهي مجتمعات لديها وصم عار فيما يخص الصحة النفسية والعقلية ويحاولون معالجة الإضطرابات بالرقية الشرعية والخرافات التي لا تعالج مرضى الإكتئاب.
غالبًا ما يتم تهميش المرضى بدلًا من تقديم الدعم لهم، وربما كان هذا أحد العوامل التي دفعت بنجبلي إلى العزلة، بحثًا عن حلول لم يجدها في بلده أو مجتمعه.
لكن حتى علم النفس الحديث لم يجد حلولا لهذه الإضطرابات وهناك أدوية فقط للسيطرة عليها لكن المعاناة تستمر إلى أن يتمكن المريض بنفسه من التعافي وهذه في حالات نادرة أو يبقى على ذلك أو ينتحر.
اضطراب ثنائي القطب: مرض العباقرة والمبدعين
يُعرف اضطراب ثنائي القطب بأنه اضطراب نفسي مزمن يتميز بتقلبات حادة في المزاج، تتراوح بين نوبات الهوس الشديد، التي تمنح الشخص طاقة إبداعية هائلة وثقة زائدة، وبين نوبات الاكتئاب الحاد، التي تدفعه إلى العزلة، اليأس، وفي كثير من الحالات، التفكير في الانتحار.
هذا المرض ليس مجرد حالة نفسية عابرة، بل هو اضطراب يؤثر على الطريقة التي يفكر بها المصاب ويتخذ قراراته ويتفاعل مع العالم من حوله.
ومن المفارقات المذهلة أن كثيرًا من المصابين به هم من المفكرين والمبدعين البارزين، الذين تركوا بصمتهم في التاريخ، ولكنهم دفعوا ثمنًا نفسيًا باهظًا.
أظهرت الدراسات أن الأشخاص المصابين بثنائي القطب يتمتعون بنشاط عقلي غير عادي، حيث تعمل أدمغتهم بشكل أسرع وتخلق روابط غير تقليدية بين الأفكار، وهو ما يؤدي إلى إبداع فريد.
يعزز الهوس من قدرتهم على التفكير خارج الصندوق، واتخاذ قرارات جريئة تدفعهم إلى التجديد والابتكار، لكن الجانب المظلم للمرض هو أن هذه العبقرية لا تستمر دائمًا، فمع كل نوبة اكتئاب، يتحول الإبداع إلى معاناة مدمرة.
ليس سعيد بنجبلي وحده من واجه هذا الصراع النفسي الحاد، بل هناك قائمة طويلة من العقول العظيمة التي عاشت المعاناة ذاتها، ومنهم:
- فنسنت فان غوخ: الرسام الهولندي الذي عانى من نوبات جنونية انتهت بانتحاره.
- نيتشه: الفيلسوف الذي غير الفكر الحديث، لكنه عاش انهيارات نفسية متكررة.
- إرنست همنغواي: الكاتب الحائز على نوبل الذي أنهى حياته بطلقة نارية.
- روبن ويليامز: الكوميدي العبقري الذي هزمه اضطرابه النفسي.
- إدغار آلان بو: رائد أدب الرعب الذي عاش بين الهوس والاكتئاب حتى وفاته الغامضة.
في مجتمعات لا تزال تعتبر الأمراض النفسية عيبًا أو ضعفًا، لم يجد سعيد بنجبلي الدعم النفسي الكافي، وربما لو كان قد حصل على علاج نفسي مناسب ودعم مجتمعي أكثر تفهمًا، لكان مصيره مختلفًا
