سد النهضة اقتصاديا وسياسيا: مصر اثيوبيا الصين أمريكا السودان

سد-النهضة-اقتصاديا-وسياسيا-مصر-اثيوبيا-الصين-أمريكا-السودان سد النهضة اقتصاديا وسياسيا: مصر اثيوبيا الصين أمريكا السودان

على الرغم من أن 280 مليون شخص من 11 دولة يعيشون على طول ضفاف النيل، فإن هذا النهر العظيم يرمز إلى الحياة، مع السدود الكهرمائية الكبيرة التي تمثل مصادر الكهرباء الخضراء، إلا أنها يمكن أن تسبب أيضًا أضرارًا بيئية وانعدام الأمن المائي.

يمكن للسدود، خاصة تلك التي تحتوي على خزانات كبيرة، أن تعطل الدورة الطبيعية للفيضانات التي تساهم في تغيير إيقاع النظام البيئي الأصلي.

علاوة على ذلك، يحذر العلماء في الوقت الحاضر من أنه مع إنشاء سد النهضة الإثيوبي، يمكن أن يؤدي المزيد من تعطيل النظام البيئي للنيل إلى إحداث ضرر لا يمكن إصلاحه في المنطقة.

ومع ذلك بالنسبة لإثيوبيا، فإن السد الجديد يبشر بالكهرباء التي تشتد الحاجة إليها، بينما بالنسبة لمصر فإنه يثير الخوف من أزمة مياه مدمرة.

بالنظر إلى حقيقة أن الخلافات المستمرة حول ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي الكبير في إثيوبيا قد هددت مرة أخرى الأمن في شمال شرق أفريقيا، يجب أن نفحص بالضرورة ما إذا كانت التوترات بين مصر وإثيوبيا تتعلق بموارد محدودة أو نفوذ إقليمي وتقاسم القوة؟

  • أجندة الأمن المائي للنيل: التعاون الإقليمي أو الصراع؟

خلال احتلال أفريقيا كانت السيطرة على مصدر النيل هدفًا استعماريًا رئيسيًا للبريطانيين، ومع ذلك يفتقر النظام الهيدرولوجي الإقليمي لحوض النيل إلى إطار قانوني أو مؤسسي شامل تعتبره جميع دول النيل مقبولاً بسبب تضارب آفاقها في شرعية الاتفاقيات القائمة والاتفاقيات الدولية.

تقسم اتفاقيتا عامي 1929 و 1959 على وجه التحديد مياه نهر النيل وفقًا لمساحة حوض نهر النيل التي تمر عبر الدولة المعنية، ومساهمة كل دولة في إنتاج مياه النهر.

معاهدات مياه النيل، حيث تمنع الاتفاقات المبرمة بين البريطانيين (نيابة عن مستعمراتها، السودان وكينيا وتنزانيا وأوغندا) ومصر دول المنبع من استخدام مياه النيل دون موافقة تلك المصب، وبالتالي فإن الخلافات الدبلوماسية بين أديس أبابا والقاهرة ليست جديدة.

منذ أوائل التسعينات، أجرى البلدان محادثات مختلفة حول النيل، لكن هذه المحادثات تنتهي عادة نحو طريق مسدود، حيث تكون معاهدات مياه النيل هي نقطة الخلاف الرئيسية في المفاوضات.

تعتقد دول المنبع أن الإتفاقية الجديدة يجب أن تحل محل المعاهدات، في حين تصر مصر على أن أي اتفاق يجب أن يعترف بالمعاهدات وأن تظل ملزمة، وفي الوقت نفسه تؤكد إثيوبيا أنه لا يوجد أساس قانوني لمنع أديس أبابا من استخدام مياه النيل بشكل منصف.

بالإضافة إلى ذلك، تلعب القوى الخارجية دورًا حاسمًا في التأثير على التفاعلات المائية الدولية في حوض النيل، وتقوم بدور محفز للنضال.

في مصر يتصدر الأمن المائي جدول الأعمال الوطني، وترغب جميع بلدان مصادر النيل في أن تحذو حذو مصر من حيث زراعة مساحات زراعية مروية واسعة، الأمر الذي يتطلب خبرة فنية باهظة الثمن.

في هذا السياق، قد يكون للتمويل والمساعدة التقنية المقدمة من خلال المستثمرين أجندة خفية، مما يزعزع استقرار بعض البلدان ويخلق التوتر بطريقة تؤثر على خطط التنمية.

بالنظر إلى العوامل الرئيسية المذكورة أعلاه التي تؤثر على الأمن المائي للنيل، من المرجح أن يتشكل مستقبل المياه في حوض النيل وفقًا للسيناريوهين البديلين، في حالة تنفيذ سيناريو التحسين سيتم تحقيق الفرص المتاحة لتطوير الموارد المائية المشتركة وبناء نظام مياه إقليمي قادر على تأمين احتياجات دول المنطقة دون تقويض الحقوق التاريخية والقانونية الثابتة لبعض الدول، وإلا فإن المتغيرات التي تحفز النضال ستؤدي إلى زيادة فرص تضارب المصالح الوطنية في دول حوض النيل.

هنا لا ينبغي لنا أن نتجاهل الخلفية التاريخية الغنية لنهر النيل، وكذلك العديد من الدول الأخرى غير إثيوبيا ومصر والسودان التي تهتم بنهر النيل الأزرق.

الأطراف المعنية الأخرى هي أوغندا وتنزانيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإريتريا ورواندا، ومن هذا المنطلق يتعين على جنوب أفريقيا، أثناء توليها رئاسة الاتحاد الأفريقي في عام 2020، أن تولي اهتمامًا كبيرًا لهذه المسألة.

  • الغاية من بناء سد النهضة في اثيوبيا

بدأ كل شيء في عام 2011 عندما شرعت إثيوبيا في خطة لتعزيز قطاع الطاقة بما يتماشى مع الاقتصاد سريع النمو، على الرغم من انتقاد البلاد بأن سدها سيغمر 1680 كيلومتر مربع من الغابات في شمال إثيوبيا والسودان، وأن 20000 شخص قد أعيد توطينهم لمشروع السد وأن الميزانية المخصصة للمشروع تتجاوز الميزانية السنوية لإثيوبيا.

وقف رئيس الوزراء أبي أحمد من إثيوبيا، بحزم حازم لصالح إكمال حلم بناء سد النهضة الإثيوبي الكبير، المعروف في إثيوبيا باسم هداسي، على طول نهر النيل الأزرق.

إثيوبيا حاليا بصدد استكمال أكبر مشروع للبنية التحتية في تاريخ البلاد، يخدم هدفين حاسمين، يعمل السد كرمز لتنمية إثيوبيا وكوسيلة عملية لتوفير الطاقة النظيفة لمواطنيها.

ويذهب النيل ومشاريع مثل سد النهضة الإثيوبي الكبير إلى قلب تطلعاتها كقوة أفريقية صاعدة، فهو لا يمثل فقط فرصة لتطوير شبكة الطاقة في البلاد، ولكنه أيضًا جزء حيوي من المذهب السياسي لرئيس الوزراء أبي أحمد.

على الرغم من جهود إثيوبيا للاستثمار في الطاقة الكهرومائية كوسيلة للتنمية، إلا أن هذا المشروع أدى إلى توتر شديد في العلاقات مع مصر، كانت ولا تزال الآثار المحتملة للسد مصدر جدل إقليمي حاد.

  • الصراع مع مصر بسبب سد النهضة

وطالبت حكومة مصر، وهي دولة تعتمد بشدة على مياه النيل، إثيوبيا بوقف بناء السد كشرط مسبق للمفاوضات.

ومع ذلك فقد أعربت دول أخرى في مبادرة حوض النيل عن دعمها للسد بما في ذلك السودان، الدولة الوحيدة الأخرى في اتجاه مجرى النيل الأزرق.

واتهم السودان مصر بإثارة الموقف، وتنفي إثيوبيا أن يكون للسد تأثير سلبي على تدفقات المياه في مجرى النهر، وتؤكد أن السد سيزيد في الواقع تدفق المياه إلى مصر عن طريق الحد من التبخر في بحيرة ناصر.

في أكتوبر 2019، أعلنت مصر أن المحادثات مع السودان وإثيوبيا بشأن تشغيل سد للطاقة الكهرومائية بقيمة 4 مليارات دولار تبنيه إثيوبيا على النيل وصلت إلى طريق مسدود.

بدءًا من نوفمبر 2019، بدأ وزير الخزانة الأمريكي في تسهيل المفاوضات بين الدول الثلاث.

خلال المحادثات في واشنطن العاصمة، أُعلن في 26 فبراير أن إثيوبيا ستتخطى تلك الجولة من المحادثات (الثالثة في العملية) لأنها لا تزال تتشاور مع الأطراف المعنية في إثيوبيا بشأن موقفها.

في الواقع، بينما كان هناك أمل في إمكانية التوصل إلى اتفاق في وقت مبكر من شهر فبراير ، تضاءلت هذه التوقعات بعد أن صرح وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو خلال زيارة إلى إثيوبيا أن “الكثير من العمل لا يزال قائماً”.

وصاغت الولايات المتحدة مسودة اتفاق بعد أكثر من أربعة أشهر من المحادثات بشأن ملء وتشغيل السد، وقالت إن الاختبار النهائي وملء السد “يجب ألا يتم دون اتفاق”.

ووقعت مصر على المسودة وحثت إثيوبيا والسودان على أن تحذو حذوها، واصفة إياها بـ “والمصالح المشتركة للدول الثلاث”.

رفضت إثيوبيا الصفقة، وهي الآن بصدد صياغة اقتراحها الخاص بزعم أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يفضل مصر في النزاع.

بالإضافة إلى ذلك، بعد سنوات من المفاوضات، كتبت مصر إلى مجلس الأمن الدولي حول ما تعتبره فشل إثيوبيا في التوصل إلى اتفاق بشأن ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي الكبير.

حاولت الولايات المتحدة وروسيا والبنك الدولي من بين آخرين التوسط في النزاع، ومع ذلك فإن الغياب الواضح لقيادة الاتحاد الأفريقي في المفاوضات يقلل من مصداقية الاتحاد.

لا يتطابق غياب الاتحاد الأفريقي في مفاوضات النهضة مع جدول أعمال 2063، يهدف هذا الإطار الاستراتيجي إلى تحقيق الرخاء الجماعي والتنمية المستدامة.

قد يكون أن الاتحاد الأفريقي يفتقر إلى الإرادة السياسية والخلفية التقنية لتقديمه في مفاوضات سد النهضة، وفي الواقع يفضل البقاء على الهامش.

لكن من المؤكد أن إحدى القضايا الشائكة التي سيواجهها رئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوسا وهو رئيس الاتحاد الأفريقي في عام 2020 هي مسألة الصراع بين إثيوبيا ومصر.

علاوة على ذلك، فإن حقيقة أن مصر وإثيوبيا والسودان قد اختارت الرئيس دونالد ترامب وسيطًا في هذه الأزمة يعني أنه ليس مجرد سباق بين الدول الأكثر احتياجًا لموارد المياه، ومن الواضح أيضًا أن كلا البلدين يتنافسان للحصول على مكانة دبلوماسية أعلى.

  • لماذا يقلق سد ضخم للطاقة الكهرومائية في إفريقيا الولايات المتحدة والصين؟

في ظل هذه المرحلة الحرجة والجو المتوتر للمشروع والخيوط الدبلوماسية الدقيقة التي تنطوي عليها المفاوضات بشأن تدفق النيل، أين تقف الصين بشأن هذه القضية؟

تستثمر الصين حاليًا بكثافة في إثيوبيا، في حين أن الصين لا تمول مباشرة تكاليف بناء السد، فقد تم إشراك الشركات الصينية في الكثير من أعمال البناء بالاعتماد على الخبرة الصينية في قطاع الطاقة الكهرومائية.

في حين أن الصين تجنبت حتى الآن الانجرار إلى النزاع بين مصر وإثيوبيا ولا تلعب أي دور رسمي في المحادثات التي تقودها الولايات المتحدة، يبقى أن نرى إلى أي مدى يمكن للصين أن تنأى بنفسها عن النزاع.

بصفتها شريك بناء رئيسي للسد ومصدرًا مهمًا للاستثمار في الاقتصاد المصري، تتشابك المصالح الصينية بشكل وثيق مع الإنتهاء الناجح للمشروع وفي الوقت المناسب بالإضافة إلى الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع كل من إثيوبيا ومصر.

سيكون نجاح المشروع علامة مهمة للإستثمار الصيني المستقبلي في البنية التحتية للطاقة في أفريقيا، خاصة في قطاع الطاقة الكهرومائية حيث يقوم بتمويل أو بناء السدود في 22 دولة أفريقية.

لا يجب الاستهانة بأن بكين شريك عسكري تقني حاسم للقاهرة. في السنوات الأخيرة، بعد “ثورة 30 يونيو” في عام 2013، ينمو التعاون بين البلدين.

بدأ إحياء العلاقات بزيارة رئيس جمهورية مصر العربية، عبد الفتاح السيسي، إلى الصين في ديسمبر 2014، والتي فتحت صفحة جديدة تمامًا في التفاعل بين الدولتين.

منذ ذلك الحين، يجتمع رؤساء الدولتين المصرية والصينية كل عام وأحيانًا عدة مرات في السنة، كما أكد الطرفان اهتمامهما المتبادل في تطوير المشروع الصيني طريق الحرير الجديد.

تجدر الإشارة إلى التنفيذ الناجح لمشروع قناة السويس الجديدة بمشاركة الصين، بالإضافة إلى تحديث البنية التحتية في مصر والإعداد لإطلاق مشروع صناعي كبير في منطقة قناة السويس.

على الرغم من بعض الاتجاهات الإيجابية، هناك تحدٍ خطير في العلاقات المصرية الصينية يمكن أن يؤثر سلبًا على التفاعل بين البلدين ألا وهو التعاون المكثف بين الصين وإثيوبيا.

ترى مصر سياسات الطاقة الكهرومائية في إثيوبيا على أنها تهديد لأمنها القومي، ومع ذلك يبدو العامل الإثيوبي ضئيلاً في سياق الشراكة الاستراتيجية بين الصين ومصر، لذلك سيواصل البلدان تطوير التعاون بشكل فعال.

وفيما يتعلق بالمفاوضات الأمريكية بين إثيوبيا ومصر في النزاع المستمر، اتهمت إثيوبيا الولايات المتحدة بتجاوز دورها كمراقب محايد بعد أن قالت الولايات المتحدة إنه لا ينبغي إتمام السد بدون اتفاق.

وتصاعدت التوترات بين إثيوبيا ومصر، وتعهد البلدان بفعل ما هو ضروري لحماية مصالحهما، تدخلت الولايات المتحدة للمساعدة في المفاوضات في عام 2019 وأصدرت بيانا قالت فيه إنه تم التوصل إلى اتفاق، وحثت إثيوبيا على الإلتزام رسميا به.

إقرأ أيضا: الحرب العسكرية بين مصر واثيوبيا ستدمر اقتصاد أفريقيا والتجارة السمراء

بينما تتأرجح الولايات المتحدة من مراقب إلى سمسار، يرى البعض أن واشنطن تفضل مصر وتريد منها امتيازات لتعزيز وجودها في الشرق الأوسط.

وأخيرًا بعد أن رفض السودان اقتراحًا إثيوبيًا لتوقيع اتفاق مبدئي يبرز ملء سد ضخم مثير للجدل، أكدت مصر استعدادها لاستئناف المفاوضات مع السودان وإثيوبيا.

مقالة بواسطة: المؤرخة الصربية Aleksandra Pećinar

— دعمك لنا يساعدنا على الإستمرار —

تابعنا على تيليجرام للتوصل بأحدث المقالات والمنشورات أولا بأول بالضغط هنا.

يمكنك أيضا متابعتنا على تويتر من هنا، وبإمكانك أيضا متابعتنا على فيس بوك من هنا.

لا تنسى دعمنا بمشاركة المقال على حساباتك الإجتماعية ومع أصدقائك.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.