ذبح التماسيح لأجل الله في مصر

في سبتمبر 2024، نشرت مجموعة من الباحثين من جامعة مانشستر، وجامعة لوبورو، وجامعة مدينة برمنغهام دراسةً شيقة بعنوان “الرؤية تصديق – تطبيق تقنيات النمذجة ثلاثية الأبعاد لإعادة بناء الساعات الأخيرة من حياة تمساح مصري قديم”.

تتناول هذه الدراسة مومياءً غامضةً من متحف ومعرض برمنغهام للفنون، ربما لا تشبه أي مومياء أخرى سمعتَ عنها، ما يجعل هذه المومياء فريدةً من نوعها هو أنها ليست إنسانًا: إنها في الواقع تمساح يبلغ طوله 7.2 أقدام.

تتميز المومياء، المصنفة تحت رقم المتحف 2005.335، ببعض الخصائص الأخرى، أولًا، العلماء غير متأكدين تمامًا من تاريخ وفاتها، من المرجح أنها تعود إلى ما بين 3000 و2000 عام، خلال فترة كانت تُذبح فيها التماسيح طقوسًا لتكريم الإله المصري سوبك.

ثانيًا، اتبعت هذه المومياء عملية تحنيط مختلفة عن معظم المومياوات الأخرى، فعند تحنيط معظم الحيوانات والبشر، كان المصريون عادةً يزيلون أعضاء الجسم (باستثناء القلب).

إلا أن التماسيح التي تُذبح لسوبك كانت مختلفة، إذ ظلت أعضاؤها الداخلية في مكانها، وقد مكّنت هذه الغرابة الباحثين من جمع بيانات فريدة من هذا التمساح، لم تكن متاحة لهم عادةً عند دراسة المومياوات الأخرى.

للحصول على هذه البيانات استخدم الباحثون أحدث التقنيات، فباستخدام الأشعة المقطعية والتصوير الشعاعي ثلاثي الأبعاد غير الجراحي، تمكن الفريق من رؤية ما بداخل التمساح حرفيًا… دون الإضرار بالمومياء أثناء العملية.

وقد استُخدمت هذه التقنية مؤخرًا لتحديد ما بداخل مومياء كان يُعتقد سابقًا أنها حامل أو مصابة بالسرطان (تبين أنها مجرد أكياس تحنيط).

كشفت عمليات المسح عن اكتشاف مذهل، داخل بطن التمساح، وجد العلماء سمكة سليمة! كان هذا الاكتشاف وحده ليُذهل الجميع، ولكن ما زاد الأمر روعةً هو العثور على السمكة مع وجود خطاف برونزي في فمها.

إلى جانب هذا الاكتشاف المذهل، عثروا على حصوات معوية؛ وهي حجارة تبتلعها التماسيح لتنظيم طفوها ولتساعدها على تفتيت الطعام في معدتها.

وبناءً على وجود السمكة السليمة في معدة التمساح، أدرك العلماء أن الحيوان قد تم التضحية به على الأرجح بعد تناول هذه الوجبة الأخيرة بفترة وجيزة، لم تُظهر السمكة أي علامات واضحة على تحلل إنزيمات التمساح الهضمية، ولم تُطحن بفعل حصوات المعدة الكثيرة في معدة التمساح.

بناءً على كل هذا، وضخامة حجم التمساح، يعتقد العلماء أن هذا الوحش قد تم اصطياده من البرية، ولم يُربّى عمدًا في الأسر لهذه الأغراض الطقسية.

ورغم أن خطاف السمك البرونزي لا يزال موجودًا داخل معدة التمساح، فقد صنع الفريق نسخة رقمية ثلاثية الأبعاد منه أثناء بحثهم، وقد صُنعت نسخ طبق الأصل من القطعة الأثرية لعرضها في المتاحف.

بالنسبة للمصريين القدماء، احتلت التماسيح مكانة متناقضة في الفكر الثقافي، فهذه المخلوقات المهيبة جميلة المنظر من بعيد، وتُجسّد جوانب إيجابية عديدة لبيئة الأنهار. ومع ذلك، يُعدّ التمساح في الوقت نفسه من أخطر الحيوانات وأكثرها شراسة على كوكبنا (التماسيح من أخطر الحيوانات التي تقتل أكبر عدد من البشر سنويًا).

لا يسع المرء إلا أن يتخيل مدى الخوف والرهبة التي شعر بها القدماء وهم يحدقون في مياه النيل الهادئة، ليروا الأشواك الخلفية المتعرجة لتمساح قادم نحوهم.

تعكس تصورات التمساح في الثقافة المصرية القديمة هذه الطبيعة المزدوجة، فبالنسبة للمصريين، كان التمساح يُمثّل الشراسة والخطر، بينما كان يُمثّل أيضًا الحماية والشجاعة ورعاية الأم.

مهما كان التمساح لئيمًا تجاه جيرانه من الثدييات، فإن هذا الزاحف لطيفٌ بشكلٍ مدهش مع صغاره، التماسيح من الزواحف القليلة التي تُربي صغارها بعد الفقس، وقد أدرك المصريون القدماء هذه الحقيقة جيدًا.

غالبًا ما تُعثر على التماسيح المحنطة برفقة صغارها المحنطة، والتي تُوضع داخل الفم، عندما تعتني أم التمساح بصغارها، تضعهم إما على ظهرها أو في فمها لحمايتهم.

في الفترات المتأخرة من التاريخ المصري (كما في العصرين البطلمي والروماني)، قُدِّمت أعداد كبيرة من التماسيح كقرابين للإله سوبك، وهو جانب مظلم من مصر القديمة قد لا تكشفه كتب التاريخ.

في كثير من الأحيان، كان يتم اصطياد التماسيح البالغة من البرية لهذا الغرض، مثل التمساح الذي فحصه العلماء بالأشعة المقطعية عام 2024، لكن لم تكن هذه هي الطريقة الوحيدة للحصول على التماسيح، فقد رُبِّيت بعض التماسيح خصيصًا لهذا الغرض.

مرجع أساسي.