في زمن تتدثر فيه السلطات الجديدة في دمشق بثوب الثورة، بينما تمارس الإرهاب نفسه الذي أطاح بالديكتاتور السابق، يبرز رجل واحد كرمز للكرامة والصمود: الشيخ حكمت الهجري، الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز في سوريا.
هذا الزعيم، المولود في فنزويلا عام 1965 وعاد إلى أرض أجداده ليصبح مرجعية دينية واجتماعية في محافظة السويداء، لم يكن يوماً من أتباع الطغيان، بل تحول، مع سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، إلى صوت يتحدى “إرهاب دمشق” الجديد، ممثلاً في حكومة أحمد الشرع – الرجل الذي كان يُعرف بأبو محمد الجولاني، قائد جبهة النصرة سابقاً، والذي يحكم اليوم بقبضة حديدية تحت شعارات زائفة.
الهجري لم يكن دائماً معارضاً للأسد؛ فقد دعم النظام في مراحل أولى، لكنه سرعان ما انحاز إلى صوت الشعب في السويداء، محافظة الدروز التي رفضت الخضوع للطغيان.
مع اندلاع الاحتجاجات في 2020، أصبح الهجري صوتاً بارزاً ضد الفساد والفقر، مطالباً بحقوق أبناء الجبل في وجه نظام ينهب الثروات ويزرع الفتن.
اليوم، يواجه حكومة الشرع التي، رغم ادعائها الثورية، تكرر جرائم الأسد: قمع، إعدامات ميدانية، ومحاولات لفرض السيطرة بالقوة على مناطق لا تتبعها طائفياً أو اجتماعياً.
في يوليو الماضي، رفض الهجري اتفاق وقف إطلاق النار، معتبراً إياه خدعة لإخضاع السويداء، ودعا أبناء الطائفة إلى الدفاع عن أرضهم ضد “الإرهاب الجديد” الذي يهدد وحدة الدروز وكرامتهم.
ويوما بعد يوم في ظل حصار السويداء من قبل النظام السوري يتضح أن هذا الزعيم الدرزي هو الذي يدافع عن قومه وليس بعض الشيوخ الذين انحازوا للحكومة خوفا على أنفسهم من بطشها وتماهيا مع قوى إقليمية عربية مستعدة لغض الطرف عن إبادة الدروز في السويداء، المهم بالنسبة لها أن لا يكون هناك بديل للسنة في الحكم.
ما يجعل الهجري زعيماً حقيقياً هو جرأته في مواجهة الانتهاكات التي ترتكبها حكومة الشرع في السويداء، هذه الحكومة، التي تدعي تمثيل السوريين، أطلقت حملة عسكرية في يوليو 2025، أدت إلى اشتباكات دامية مع مجموعات درزية وعشائر بدوية، مخلفة مئات القتلى.
الشبكة السورية لحقوق الإنسان سجلت انتهاكات واسعة، بما في ذلك قصف عشوائي ونهب، لكن الأفظع كان فيديو يوثق عملية إعدام ميداني داخل مستشفى السويداء الوطني.
في المقطع، الذي انتشر مؤخراً، يظهر مسلحون يرتدون زي قوات الأمن الداخلي – التابعة لحكومة الشرع – يقتلون شخصاً يرتدي ملابس طبية، في انتهاك صارخ للقوانين الدولية وقواعد الاشتباك.
هذا ليس حادثاً معزولاً؛ بل جزء من نمط يتضمن إعدامات ميدانية ودفن جماعي، كما وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان، الذي نشر مقاطع تظهر اقتحام المستشفى وتصفية مدنيين.
وزارة الداخلية السورية أدانت الفيديو، لكنها وصفت الجناة بـ”مجهولي الهوية”، في محاولة بائسة منها للتنصل من مسؤوليتها، بينما يتهم ناشطون قوات الشرع مباشرة بالتورط.
هذه الانتهاكات ليست جديدة على حكومة الشرع، الرجل الذي أسس جبهة النصرة في 2012، بدعم من القاعدة، يحكم اليوم بأساليب إرهابية، مستخدماً قوات الأمن لقمع أي معارضة.
في السويداء، حيث يشكل الدروز غالبية، يرى الهجري في هذه الحملة محاولة لفرض سيطرة طائفية، مشابهاً لما فعله الأسد سابقاً، رفضه لدخول وفود حكومية، كما في بيانه الأخير، يعكس خوفه من أن تكون “المساعدات” غطاء للتسلل والسيطرة.
بل ذهب إلى حد الدعوة لتحقيق دولي في أحداث السويداء، مطالباً بمحاسبة المتورطين في الجرائم، هذا التحدي ليس انفصالياً كما يروج له أعداؤه، بل دفاع عن هوية الجبل في وجه سلطة تزرع الفتن، مستغلة عشائر بدوية لإثارة الصراعات.
اليوم، ومع تجدد الدعوات لتحقيق مستقل بعد انتشار الفيديو، يقف الهجري كرمز للمقاومة ضد “إرهاب دمشق”، حكومة الشرع، التي تبرأت من المجازر لكنها تستمر في الحصار، تكشف وجهها الحقيقي: ديكتاتورية جديدة تحت قناع الثورة.
إن الهجري ليس زعيماً طائفياً، بل قائداً يدافع عن شعبه في وجه حكومة دمشق التي تسعى إلى إبادة غير المسلمين السنة والقضاء عليهم لتطبيق نظام الشريعة، وهو ما سيسمح للشرع في حال تحقيقه بالقضاء على ما تبقى من مدنية سوريا وتحويلها إلى خلافة إسلامية والقضاء على المسلمين السنة الحداثيين وفرض الحجاب على المسلمات غير المحجبات والتطبيع مع زواج القاصرات ومنع التعليم للإناث وبالتالي تحويل سوريا إلى أفغانستان ثانية.

