
انتشرت في الساعات الماضية أخبار تفيد بأن روسيا قد توصلت إلى لقاح السرطان ويسمى ENTEROMIX وستعمل الدولة الغارفة قي حرب أوكرانيا بتوزيعه مجانا على المرضى.
هذه المنشورات التي نشرتها صفحات كبرى أثارت حماساً كبيراً بين الجمهور، خاصة مع انتشار أمراض السرطان عالمياً، إلا أنها تثير أيضاً تساؤلات حول دقتها العلمية والإعلامية.
في هذا التقرير، نجري تدقيقاً شاملاً للحقائق بناءً على مصادر رسمية وتقارير موثوقة، لنكشف عن الواقع وراء هذه المنشورات ونحدد ما إذا كانت دقيقة أم مضللة.
خبر لقاح السرطان الروسي
يبدأ الادعاء المنتشر بأن روسيا أعلنت رسمياً عن لقاح Enteromix كحل نهائي للسرطان، مع التركيز على أنه يعتمد تقنية mRNA المستخدمة في لقاحات كوفيد-19، وأنه حقق فعالية كاملة في المرضى الذين خضعوا للتجارب.
كما يزعم أنه سيُقدم مجاناً لكل المرضى، مما يوحي بتوافره الفوري للاستخدام العام، هذه الصيغة تبدو جذابة، لكنها تتجاهل التفاصيل العلمية الدقيقة.
نشرت صفحات كبرى متخصصة في الأخبار الشائعة هذا الخبر واستخدمته الأبواق الروسية في العالم العربي للتسويق لروسيا على أنها منقذ العلم من الأمراض الخطيرة.
كما ذهب بعض النشطاء للقول بأن اللقاح سيكون ضربة للشركات الغربية التي تحقق أموالا طائلة من السرطان وتريد أن يستمر لأطول فترة ممكنة.
ما هو مشروع Enteromix؟
بعد البحث في المصادر الرسمية الروسية والدولية، يتضح أن هناك خلطاً إعلامياً بين مشروعين منفصلين: الأول هو Enteromix، والثاني هو لقاح mRNA شخصي للسرطان، هذا الخلط أدى إلى تضخيم الادعاءات بشكل غير دقيق، مما يجعل المنشور مضللاً في جوهره.
يُعد Enteromix مشروعاً بحثياً روسياً طورته الوكالة الطبية البيولوجية الفيدرالية (FMBA) بالتعاون مع مركز أبحاث إشعاعي ومعهد إنجلهاردت للبيولوجيا الجزيئية.
حسب التصريحات الرسمية من رئيسة الوكالة فيرونيكا سكفورتسوفا، أكمل المشروع ثلاث سنوات من الدراسات قبل السريرية (preclinical studies)، التي أظهرت سلامة عالية وفعالية تتراوح بين 60% إلى 80% في تقليص أو تبطيء نمو الأورام في نماذج حيوانية أو مختبرية.
التركيز الأساسي لهذا اللقاح هو سرطان القولون والمستقيم، مع إمكانية توسيع نطاقه لأنواع أخرى، تقدمت الوكالة بطلب إلى وزارة الصحة الروسية للحصول على إذن ببدء التجارب السريرية الأولى على البشر.
هذا يعني أن Enteromix لم يصل بعد إلى مرحلة الاستخدام العام، بل هو في بداية الطريق نحو الاختبارات السريرية، التي قد تستغرق سنوات لإثبات الفعالية والسلامة على البشر.
ما الذي ستوزعه روسيا مجانا على مواطنيها؟
أما عن تقنية التصنيع، فهناك تناقض واضح في التغطيات الإعلامية، بعض الوسائل الدولية، خاصة الهندية مثل Times of India وEconomic Times، تصف Enteromix كلقاح mRNA شخصي، مشيراً إلى فعالية 100% في التجارب.
إلا أن المصادر الرسمية الروسية، مثل موقع المركز الطبي البحثي الإشعاعي الوطني (NMRRC)، تؤكد أن Enteromix هو لقاح أونكوليتيكي (oncolytic vaccine) يعتمد على كوكتيل من أربعة فيروسات غير ممرضة، مصممة لتدمير الخلايا السرطانية مباشرة وتنشيط المناعة المضادة للأورام.
هذه التقنية تختلف جذرياً عن mRNA، التي تعتمد على رسائل جينية لإنتاج بروتينات محددة.
في الواقع، يطور الروس مشروعاً منفصلاً للقاح mRNA شخصي ضد السرطان، بالتعاون مع معهد غاماليا، وقد أعلن عنه الرئيس فلاديمير بوتين كتقدم وشيك، مع خطط لتوزيعه مجاناً.
هذا المشروع المخصص لـ mRNA هو الذي يُشار إليه في بعض التقارير، لكن الخلط مع Enteromix أدى إلى تضليل الجمهور.
أما عن “المجانية لجميع المرضى”، فلا يوجد إعلان حكومي رسمي يؤكد ذلك لـ Enteromix تحديداً، التصريحات المتعلقة بالمجانية تتعلق بالمشروع mRNA الشخصي، حيث أعلن أندريه كابرين، مدير مركز الأبحاث الطبية الإشعاعية، أن اللقاح سيُقدم مجاناً للمرضى في روسيا ابتداءً من 2025، بعد الموافقة التنظيمية.
هل لقاح السرطان الروسي حقيقي؟
بالنسبة لادعاء الفعالية بنسبة 100%، لا يوجد أي إشارة رسمية إلى هذا الرقم في المصادر الأساسية مثل وكالة تاس أو إنترفاكس.
الرقم 100% ظهر في مواقع تجميع أخبار غير متخصصة، مثل بعض المنصات الهندية، التي ربما اعتمدت على ترجمات خاطئة أو تفسيرات مبالغة لنتائج قبل السريرية.
التصريحات الرسمية تتحدث عن فعالية تتراوح بين 60% إلى 80% في تقليص الأورام أو تبطيئ نموها في النماذج الحيوانية، مع تأكيد على أن هذه النتائج واعدة لكنها تحتاج إلى تأكيد في التجارب السريرية.
يحذر الخبراء من أن الادعاءات المبكرة بنسب عالية غالباً ما تفشل في التحقق في المراحل المتقدمة، كما حدث مع العديد من العلاجات السرطانية السابقة.
على سبيل المثال، علاجات الأونكوليتيك مثل T-VEC لسرطان الجلد قد حصلت على موافقات في بعض الحالات، لكنها ليست فعالة 100% لجميع المرضى.
الدعاية الروسية
في السياق العالمي، تُعد اللقاحات السرطانية مجالاً نشطاً للبحث، مع تقدم في علاجات mRNA من شركات مثل Moderna وBioNTech، التي تجري تجارب على لقاحات شخصية لسرطان الثدي والرئة.
كما أن العلاجات الأونكوليتيكية، مثل تلك المعتمدة من FDA لسرطان الجلد، توفر أملاً، لكنها تتطلب سنوات من الاختبارات.
الخبراء يؤكدون أن أي تقدم يجب أن يخضع لمراجعة مستقلة وتجارب واسعة النطاق لتجنب خيبات الأمل، كما حدث مع بعض العلاجات الواعدة في الماضي.
ولطالما سمعنا من روسيا إعلانات على ابتكار أدوية فعالة وهذه الأدوية لم تصل إلى أرض الواقع أبدا، حتى لقاح كورونا الذي ادعت روسيا أنه سبقت إليه الشركات العملاقة في أوروبا والولايات المتحدة اتضح أنه غير فعال.
