
الجميع يتحدث عن “تعفن الدماغ” وكأنه مرض جديد جلبته لنا مقاطع الفيديو القصيرة.. تتصدر العناوين الرئيسية صراخًا بأن تركيزنا أقصر من تركيز السمكة الذهبية.
وسائل التواصل الاجتماعي تجعلنا أقل ذكاءً.. تطبيق تيك توك يُفسد عقولنا.. الآباء في حالة ذعر والمعلمون محبطون.
نشرت مايكروسوفت تقريرًا يدّعي أن تركيزنا انخفض من 12 ثانية إلى 8 ثوانٍ وقام الصحفيون بتتبع تلك المصادر، وتبين أنها غير موجودة.
الأرقام مُلفقة سواءً للبشر أو للسمكة الذهبية، لذا نعم قصة “أقصر من السمكة الذهبية” برمتها خاطئة تمامًا.
لكن هذا لا يعني أن لا شيء يحدث، بل يعني فقط أن ما يحدث بالفعل أكثر تحديدًا وأكثر إثارة للاهتمام من مجرد “تعفن الدماغ”.
أجرى مختبر في ميونخ اختبارًا على 60 شخصًا، خضعوا لاختبار إدراكي، ثم أُعطوا استراحة لمدة عشر دقائق.
جلس بعضهم دون فعل شيء، وتصفح آخرون تويتر، وشاهد البعض يوتيوب، بينما استخدم آخرون تيك توك، عند إعادة الاختبار، تبين أن أداء إحدى المجموعات كان أسوأ بشكل ملحوظ.
كل هذا خلال عشر دقائق فقط، والنتيجة هي أن ما يؤثر سلبًا على دماغك ليس تنسيق الفيديو نفسه، بل تصميم واجهة المستخدم، أي مشكلة التحكم.
فكّر في كيفية عمل موقع ويب عادي، لديك قائمة، تتصفح، تختار ما تريد، ثم تشاهده أو تقرأه، يعمل يوتيوب بهذه الطريقة، وكذلك خدمة البث المباشر، لديك خيارات، لديك قوائم، لديك تحكم كامل، أنت من يقرر ما ستشاهده لاحقًا.
وعلى عكس كل هذا تيك توك لا يوفر لك قائمة يمكنك الإختيار منها، بل يفرض عليك مقاطع الفيديو ومع التمرير والتفاعل يستطيع ان يفهم ما الذي يهمك ويجلبه لك أكثر.
تطبيق تيك توك أشبه بمطعم تجلس فيه، فتضع آلة لقمة طعام على لسانك، لا تحصل على لقمة أخرى إلا بعد بلعها أو بصقها.
يقيس المطعم مدة مضغك ويُعدّل ما يُقدّمه لك بناءً على النكهات التي تُفضّلها، يُجرّب التطبيق لقيمات غير متوقعة من حين لآخر، لأنه حتى لو لم تكن مُفضّلة لديك، فهي مجرد لقمة، وهناك دائمًا لقمة أخرى في انتظارك.
وهذا هو سرّ عبقريته حيث تفقد حرية الاختيار لكنك تكسب تفاعلاً أكبر، ولا يكتفي النظام بمعرفة ما يعجبك، بل يتنبأ بما سيجذبك ويقدمه لك في جرعات صغيرة مثالية، إنه مصمم ليُسبب الإدمان، لأن تصميمه نفسه يُلغي قدرتك على اتخاذ القرار.
هذا ما ورد حرفيًا في وثائق تيك توك الداخلية التي كُشفت أثناء التقاضي. يكمن سر نجاح تيك توك في التخصيص القوي والأتمتة التي تحدّ من حرية المستخدم، لا في زيادة التفاعل، إنهم يعلمون أن سر النجاح يكمن في جعل عدد أقل من الأشياء يبدو وكأنه قرارك.
لكن هذا يأتي بالفعل بثمن، إذ هناك وظيفتان معرفيتان محددتان تتراجعان بعد تصفح مقاطع الفيديو القصيرة.
الأولى هي التفكير التحليلي، حيث أجرى باحثون في جامعة بكين اختبارًا على مجموعة من الأشخاص باستخدام أسئلة خادعة.
سعر مضرب وكرة معًا هو 1.10، سعر المضرب يزيد بمقدار 1 عن سعر الكرة.. كم سعر الكرة؟ قد يظن المرء 0.10، لكن الإجابة الصحيحة هي 0.05 عليك أن تتوقف عن التفكير التلقائي لتجيب بشكل صحيح.
حصل الأشخاص الذين تصفحوا تطبيق تيك توك لمدة 30 دقيقة على إجابات صحيحة أقل بنسبة 12% من الأشخاص الذين قرأوا.
لكن الأمر المثير للدهشة هو أنه لم يكن مهمًا ما إذا كانوا يشاهدون حيوانات لطيفة أو تجارب علمية، المهم هو التصفح.
تحديدًا كان التصفح هو ما أدى إلى تراجع قدرتهم على التفكير التحليلي، عندما طلب الباحثون من المشاركين مشاهدة نفس مقاطع الفيديو مجمعة معًا دون تصفح، اختفى هذا التأثير.
أما الأمر الثاني الذي يتراجع فهو الذاكرة المستقبلية، عندها تتذكر القيام بشيء كنت تنوي فعله، مثلاً، استلام الملابس من المغسلة، أو تناول الدواء، أو الانضمام إلى اجتماع عبر تطبيق زووم.
قام الباحثون بتضمين مهمة داخل مهمة أخرى. من المفترض أن تضغط على حرف N للكلمات الحقيقية وحرف M للكلمات الوهمية، ولكن عندما ترى الكلمات “أزرق” أو “بنفسجي” أو “أخضر”، من المفترض أن تضغط على حرف Q أو W أو E بدلاً من ذلك.
بعد استراحة لمدة عشر دقائق من تصفح تيك توك، نسي الناس المهمة الثانية، لقد نسوا الهدف ببساطة، والمصيبة أن هذا حدث مع تيك توك فقط.
لم يؤثر تصفح تويتر إذ بقيت الذاكرة المستقبلية سليمة.. كان هذا التأثير تحديدًا على مقاطع الفيديو القصيرة، وعندما حدد الباحثون عدد مرات التمرير بعشر مرات، اختفى التأثير.
عندما أصبح بإمكان الناس التمرير بلا حدود، تلاشت قدرتهم على تذكر الهدف تمامًا، والأمر لا يتعلق بالمحتوى، بل يتعلق بواجهة المستخدم التي تُفقدك السيطرة وتجعل عقلك يتبعها تلقائيًا.
والآن، إليكم ما يُثير الإحباط حقًا.. لقد رأينا هذا النمط من قبل.
كانت تطبيقات المواعدة تعتمد على قوائم، حيث يمكنك تصفح الملفات الشخصية واختيار ما يناسبك، ثم ظهر تطبيق Tinder وقال: لنُزِل القائمة.
ملف شخصي واحد في كل مرة.. التمرير يمينًا أو يسارًا.. ردود فعل قسرية، فجأة، أصبح كل تطبيق مواعدة يُشبه Tinder لأن تصميم واجهته كان فعالًا جدًا في زيادة التفاعل.
الأمر نفسه يحدث مع المزيد من المنصات للأسف، تستحوذ مقاطع فيديو القصيرة الآن على أكثر من 20% من الوقت الذي يقضيه المستخدمون على انستقرام، وتشير بعض التقديرات إلى 50%.
أما مقاطع يوتيوب شورتس فتحصد 200 مليون مشاهدة يوميًا، وكانت وسائل التواصل الاجتماعي في السابق عبارة عن محتوى من الأصدقاء والعائلة والحسابات التي تتابعها، ثم انضم إليها صناع المحتوى.
والآن، يُسهّل الذكاء الاصطناعي إنشاء المحتوى وإعادة مزجه، مما يعني وجود كمية لا نهائية من المحتوى المُصمم خصيصًا.
إنها أشبه بموزع وجبات خفيفة غامضة لا ينضب، مُصمم خصيصًا لك ولا أحد يستطيع الاكتفاء بواحدة.
السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان تركيزك أقصر من سمكة ذهبية، فهذا هراء، السؤال الحقيقي هو ما إذا كان فقدان السيطرة على نفسك ووضع عقلك على وضع الطيار الآلي عدة مرات في اليوم يُغير شيئًا في طريقة عملك.
تشير الأبحاث حتى الآن إلى أن هذا صحيح لكن ليس بشكل كارثي، وليس في كل شيء، ولكن بشكل ملحوظ في وظائف معرفية محددة تتعلق بالنية والتفكير التحليلي.
هل يستحق الأمر كل هذا العناء؟ هذا هو السؤال الحقيقي الذي لا أحد يريد الإجابة عليه.
الحجة المضادة هي أن المحتوى القصير ليس سيئًا في حد ذاته، لطالما أنتجت إذاعة NPR برامج إذاعية مدتها ثلاث دقائق، تُقدم معلومات مُكثفة حول مواضيع معقدة، وقد نجح ذلك فما الفرق إذًا؟
الفرق يكمن في القوائم، تجربة المستخدم التي لا تتيح لك كثيرا إمكانية البحث والاختيار بل تفرض عليك التمرير لإيجاد المحتوى الذي يهمك قبل أن يظهر المزيد منه في مقاطع تمررها كل بضع ثوان أو حتى دقائق.
لا وجود لظاهرة “تعفن الدماغ” دماغك ليس متعفنًا، لكن واجهة المستخدم التي تستخدمها مصممة عمدًا لتجعلك تعمل تلقائيًا.
لتجعل القرارات تبدو أقل اختيارًا منك ولتقدم لك محتوىً بناءً على ما يجذبك بدلًا مما تختاره بنفسك، وعندما تقضي وقتًا طويلًا في هذه الحالة، تتدهور بعض الوظائف الإدراكية بشكل ملحوظ.
