
تشكل حرب السودان أحدث قضية تجد فيها مصر روسيا ضد أمنها القومي بعد مسألة حماية سد النهضة الإثيوبي بالأسلحة الروسية والإنتشار العسكري الروسي في شرق ليبيا.
والخلاف اليوم في السودان واضح ولا لبس فيه، حيث تدعم روسيا قوات الدعم السريع وكان نائب رئيس مجلس السيادة السوداني محمد حمدان دقلو، الشهير بحميدتي، قد زار روسيا خلال فبراير الماضي، وأغضبت تصريحاته القاهرة.
ومما جاء في تلك التصريحات هي تأكيده على أن روسيا سيكون لها قاعدة عسكرية بحرية على البحر الأحمر، وهو ما ترفضه القاهرة.
سبق لمصر من قبل أن أفشلت مساعي تركيا إقامة قاعدة عسكرية لها على الحدود مع مصر، وترفض مجددا القاهرة نفسه الفكرة لكن هذه المرة من روسيا.
وكانت موسكو قد توصلت إلى اتفاق من قبل مع الرئيس المخلوع عمر البشير لإنشاء قاعدة عسكرية روسية بحرية، ما يمكن أن يعزز من الوجود الروسي في المنطقة.
لكن اليوم يرفض الجيش السوداني بقيادة البرهان هذه الفكرة ويفضل علاقات ودية مع القاهرة التي تفضل هي الأخرى ذلك، ويهمها الأمن القومي السوداني.
ويرحب حميدتي بفكرة إقامة قاعدة عسكرية بحرية أجنبية، سواء مع روسيا أو غيرها كما قال: “أنا شايف إنو عندنا 730 كيلومتراً على البحر الأحمر، لو أي دولة تريد تفتح معانا قاعدة، ونحن عندنا فيها مصلحة ما بتهدد لينا (لا تهدد) الأمن القومي، نحن ما عندنا مشكلة نتعامل مع روسيا ولا غير روسيا”.
غير أننا نعرف جميعا أنه خليف لروسيا، لذا في حال انتصر في هذه الحرب على الجيش السوداني سيسرع من تنفيذ هذه الفكرة.
وتحاول مصر أيضا إقناع الإمارات العربية المتحدة بالضغط على حميدتي الذي تتعامل معه كثيرا، وقد أكدت الأخيرة أنه لا مستقبل في السودان سواء لقوات الدعم السريع ولا الجيش السوداني الذي يحكم البلاد من خلال انقلابه على الحكومة المدنية عام 2021.
على الأرض هناك تعاون وثيق بين الجيش المصري والسوداني من أجل الإنتصار على قوات الدعم السريع المتمردة ولطالما اتهم حميدتي والمقربين منه مصر بمشاركتها عسكريا في الصراع من خلال استهداف قواته بالطائرات بدون طيار وبدعم الجيش السوداني بالمعلومات الإستخباراتية.
كما أن تركيا تشارك في حرب السودان حيث تدعم الجيش السوداني ذات الميول الإخوانية الإسلامية بالأسلحة التركية مثل الطائرات بدون طيار وعدد من الأسلحة التي تنتجها محليا.
وعلى ما يبدو فإن الخلاف المصري الروسي ليس فقط في السودان، إذ هناك تقارير بأن روسيا تنوي إنشاء قاعدة عسكرية في شرق ليبيا وهو ما تعتبره القاهرة من المحرمات.
وتتواجد في شرق ليبيا قوات فاغنر التي تسيطر على الكثير من المقاتلات والأسلحة وتعمل على توسيع نفوذها بالقرب من الحدود الغربية لمصر وقد ازداد النشاط الروسي في ليبيا بعد سقوط الأسد في سوريا.
وخلال عام 2023 قامت القوات البحرية المصرية والقوات الأميركية، بتنفيذ تدريب بحري بنطاق الأسطول الجنوبي بالبحر الأحمر، فيما عززت من قوتها في بناء قواعد عسكرية على البحر الأحمر.
جاءت تلك التدريبات تأكيداً على “الشراكة الاستراتيجية والعلاقات الثنائية الممتدة بين القوات المسلحة المصرية ونظيرتها الأميركية” كما قال بيان عسكري مصري.
ويزداد التوتر بين مصر وروسيا في كل من السودان وليبيا بشكل واضح، وحتى الآن لا يبدو ذلك رسميا في وسائل الإعلام المصرية حتى الآن.
إن رغبة نظام بوتين في السرقة وزرع الفوضى تترك ندوباً عميقة في جميع أنحاء إفريقيا وأوروبا الشرقية، وهي لا تهدد مصالح مصر فقط وأمن السودان بل مصالح وأمن بقية الدول الأفريقية.
السودان ليس الدولة الوحيدة الواقعة في شمال أفريقيا على حافة الهاوية، تثير الصراعات القديمة والشرقية والغربية وصعود المرتزقة الروس الذعر عبر القارة، وليس هدف موسكو من ذلك فقط الحصول على الذهب والموارد من أفريقيا بل أيضا بناء قواعد عسكرية روسية في المنطقة.
