
ببطء تسلّلت كلمات الافتراء والحقد إلى عقل صلاح الدين، ملك مصر. فقد عمل مستشاروه ليلًا ونهارًا على غسل دماغه باتهامات ضد طبيبه المخلص والبارز – الحاخام موسى بن ميمون، المعروف باسم “الرّمبام”. لقد نبع حقد غير اليهود على الرّمبام من حقيقة واحدة: كونه يهوديًا أكثر نجاحًا منهم.
لقد همسوا في أذن الملك بأنّ الطبيب اليهودي ينتظر اللحظة التي يثق بها الملك به ثقة عمياء، ثم يقوم بتسميمه ويتسبب في موته بمرض فتاك. وما الذي سيجنيه موسى بن ميمون من ذلك؟ لم يعرفوا كيف يفسّرون، لكن طبيعة النميمة أنها تُقبَل وتخلق شكوكًا ودمارًا وكراهية شديدة.
ومع ذلك، فإن قدرات الرّمبام العظيمة وإخلاصه للملك العربي ولجميع أفراد أسرته جعلت من الصعب على صلاح الدين التخلي عنه بسبب غيرة الوزراء والمستشارين. فقرّر أن يجري اختبارًا.
ستُجرى قرعة بين الرّمبام وطبيب عربي يُدعى “كَمّون”. على كلّ منهما أن يُعدّ سمًا قويًا قدر الإمكان، بالإضافة إلى إعداد ترياق للشفاء. والقرعة ستحدد من منهما سيشرب أولًا من السم الذي أعدّه الآخر.
بعد ابتلاع السم سيشرب الطبيب الترياق الذي حضّره (وعدم معرفة مكوّنات السم تزيد من الخطر والتحدّي، إذ ليس لكل سم دواء مناسب)، وإذا نجا – يصبح هو طبيب الملك. وفي حالة التعادل (إذا نجا الاثنان) تُجرى جولة إضافية.
سمع موسى بن ميمون الأمر ووجهه جامد، إيمانه العميق برب العالمين منحه يقينًا بأنه إن كان مكتوبًا عليه أن يموت – سيحدث ذلك على كل حال، وإن كانت إرادة الله إبقاءه حيًا – فلن يتمكن أعداؤه من قتله. وعندما عاد إلى بيته، استدعى عددًا من تلاميذه – رجالًا أمناء، أقوياء وكاتمين للسر – وكشف لهم عن المؤامرة.
ارتجف التلاميذ وشحب وجههم من القلق، لكن الرّمبام هدّأهم بإشارة من يده. وقال بثقة: “بعون الله، أعلم كيف أُنقذ من أي تسميم. سأُعدّ الآن قارورتين تحتويان على سوائل علاجية. القارورة الأولى ستحتوي على مادة خاصة تلغي تأثير أي مادة في الجسم، سواء كانت نافعة أو ضارة، أشبه بمشروب يعيد الجسم إلى حالة “الصفر”. فور إعطائي السم تأخذونني خارجًا وتسقونني هذا الشراب.
“أما القارورة الثانية فتحتوي على مادة تقوية خاصة تعيد نشاط الإنسان، وسأتعافى تدريجيًا بعون الله، ولن يستطيع أي سم أن يؤذيني. عليكم أن تكونوا يقظين وتراقبوا لوني ونبض قلبي، وتتّبعوا تعليماتي بدقة تامة. نحن نمشي على حبل رفيع ولا مجال للخطأ. إذا قمتم بكل شيء كما يجب – فبإذن الله سينتهي كل شيء على خير”.
جلس التلاميذ وأعادوا تكرار التعليمات، حفظوا الترتيب والجرعات وطريقة العمل، بل وتدرّبوا على ذلك لأنهم أدركوا أهميته في إنقاذ حياة الرّمبام.
وعندما جاء اليوم الموعود، حضر الرّمبام وتلاميذه إلى قصر الملك. أُجريت القرعة، وكان دور الرّمبام أن يشرب أولًا من السم الذي حضّره كمّون. شحب وجه الرّمبام وسقط فاقدًا للوعي. دخل تلاميذه في سلسلة من الإجراءات تمامًا كما أمرهم، وبعد نصف ساعة عاد إليه وعيه. وبعد ساعتين لم تظهر عليه أي علامة مما حدث.
ثم جاء دور كمّون. قدّم له الرّمبام شرابًا بلا لون ولا طعم ولا رائحة، خشي كمّون كثيرًا، ولم يعلم أنّ السائل ليس إلا رحيق زهور مُصفّى أزيلت منه كلّ علامة. شربه ولم يحدث له شيء. وبسبب خوفه تناول الترياق الذي حضّره لنفسه، ومع ذلك لم يشعر بشيء.
ازدادت مخاوفه، واعتقد أن سمّ الرّمبام هو سمّ سرّي يعمل ببطء ويقضي على الجسد تدريجيًا. فتوقف كمّون عن أكل أي طعام، ولم يشرب إلا حليب البقر الذي يُحلب أمام عينيه. وفي أحد الأيام، بينما كان يشرب كأس الحليب، رآه الرّمبام وقال له بنبرة تحذير: “ها أنت الآن تشرب…”
فارتعب كمّون، شحب وجهه، فقد وعيه، وتوقّف قلبه… ولتلاميذه قال موسى بن ميمون: “انظروا كم هو قوي تأثير الوهم. لقد رأيتم أنني لم أضع شيئًا في “السم” الذي قدّمته له، لكن قوّة خياله ومخاوفه هي التي قتلتْه في النهاية”.
هذه القصة جاءت في الثراث اليهودي-الإسلامي المشترك ولا يوجد ما يدعمها من أدلة حقيقية.
