جيه. آر. روسل

لقد كنت أتابع ملفات إبستين بشغف شديد، الأمر الذي جعلني أتأمل في حياتي الشخصية وفي الأوقات التي وجدت فيها نفسي في مواجهة مجموعة من الرجال، كان هدفهم الوحيد هو تشويه سمعتي.

هؤلاء الشابات في مركز هذه العاصفة هنّ قويات وشجاعات، ليس فقط لأنهن تجرأن على مواجهة الأثرياء وأصحاب النفوذ، بل لأنهن تحدّين أيضًا أولئك في الكونغرس الذين لا يقلّون ذنبًا، وهم مرتاحون في مواقعهم كمنكِرين ومتواطئين.

إن هذا الإنكار لكراهية النساء والرغبة في السيطرة عليهن ليس جديدًا. ما تغيّر هو أن النساء (والرجال الطيبين أيضًا) لن يسمحوا بعودة الأمور إلى ما كانت عليه في الماضي. وحتى مع محاولات القوى لفرض أجندة “مشروع 2025″، فإن النساء لن يعدن أبدًا إلى خمسينيات القرن الماضي.

وعلى الرغم من أن حركة #أنا_أيضًا (MeToo)، في رأيي، شهدت بعض التعثّر، فإن ملفات إبستين تمثّل موقفًا محاربًا، مستعدًا للمواجهة وإعلان النصر.

إنها تطيح بالفكرة القائلة إن الرجال الأثرياء وأصحاب النفوذ لا يُحاسبون أبدًا على أفعالهم.. يوم الحساب بات قريبًا، أشعر به.

صحيح أنني لم أتعرض للأهوال التي مرت بها تلك الفتيات الصغيرات على يد إبستين وآخرين (وسنعرف في النهاية من هم)، إلا أنني بلغت سن الرشد خلال حركة حقوق المرأة في أواخر الستينيات.

كانت فترة مشوشة بالنسبة لفتاة مراهقة، كان والدي من جيل الخمسينيات التقليدي، وكان يؤمن أن كل شيء سيكون على ما يرام حين نجد أمير الأحلام ونتزوجه، ومع ذلك، فقد ربّانا – أنا وأخواتي – بشكل غير مقصود لنكون قادرات، جسديًا وعقليًا.

في سن السادسة عشرة، كنت أعمل جنبًا إلى جنب مع والدي في بناء منزل وقارب، وقد أتقنت بالفعل تشغيل الآلات الثقيلة مثل مناشير الشريط، والموجهات، والمخارط.

أبحرت بسفينتنا الشراعية التي يبلغ طولها أربعين قدمًا في عرض البحر ليلًا بكل سهولة، وتعلمت سرعة التفكير، وأنقذت المركب من الكارثة عدة مرات أثناء الرحلة.

لكن عندما كان الأمر يتعلق بالتواصل مع الأولاد أو الرجال كنت تائهة، كان والدي من النوع القوي الصامت، لا يرتاح للأحاديث الجانبية أو الارتباط العاطفي، ومع ذلك، كان صارمًا ومتطلبًا، لا يقبل إلا بأن نتحمّل المسؤولية الكاملة، مسؤولية عادةً ما كانت تُتوقع من الرجال، لا من فتيات مراهقات.

عندما انتقلت للدراسة في جامعة رايس في هيوستن، حيث استقرت عائلتي بعد انتهاء رحلتنا البحرية، التحقت ببرنامج الهندسة.

كنت أعيش في المنزل، وأتنقل بين الجامعة ومنزل قديم مهترئ في حي هيوستن هايتس، حيث كنت أمضي الأمسيات في الفناء الخلفي، بجانب والدي، نبني قاربًا ثانيًا.

في الصيف الذي سبق بداية دراستي في رايس، حصلت على وظيفة في شركة هندسية يعمل بها والدي، لم أعد بحاجة للعمل في المطاعم أو الوظائف المؤقتة التي كنت أعتمد عليها سابقًا، بل حصلت على عمل يؤمّن مستقبلي، براتب أعلى بكثير، كما أنني وفّرت تكاليف البنزين بركوب السيارة مع والدي ذهابًا وإيابًا.

لم يكن ذلك ما حلمت به كـ”تجربة جامعية مثالية”، كما كنت أعتقد، لكنني كنت سعيدة بأنني سأتمكن من التواصل مع والدي، ولو فقط في السيارة، لأنه يعمل في طابق مختلف.

على الرغم من أنني توقعت أن تكون نسبة الإناث منخفضة في مجالي، لم أكن مستعدة للعمل في غرفة مليئة بالرجال البالغين، باستثناء مهندسة خجولة ومنطوية، تم دفع مكتبها إلى زاوية بعيدة، كنت وحدي، أكتشف لاحقًا أنني وسط مياه يعجّ بها أسماك القرش.

قبل أن أصل إلى طاولة الرسم الخاصة بي، انحنى رجل يجلس في صفوف أمامي وقال، “نصيحة: تجنّبي السحاقية اللي في الزاوية.” ثم ألقى نظرة فاحصة وأضاف، وسط ضحك الرجال في الغرفة: “لكن، سيكون من العار لو كنتِ واحدة!”.

شعرت بالارتباك والإحراج، ليس فقط لنفسي، بل أيضًا لتلك المهندسة التي كنت متأكدة من أنها سمعت التعليق، أسرعت إلى مكاني، أنظر للأسفل وأنا أرتب أدواتي وأتمتم لنفسي: “قومي بعملك، لا تثيري المشاكل”.

كنت أعلم جيدًا أنني عندما أغضب، أُظهر ما كان والدي يسميه “سلوكًا غير لائق”، ولم أكن أستطيع خسارة هذه الوظيفة.

كنت أحتاجها لتغطية بقية مصاريف دراستي، أي تحدٍ للسلطة – وبنظرة سريعة على الغرفة التي ضمت أكثر من أربعين رجلًا – كان يعني طردي والعودة إلى العمل كنادلة، ربما، فكرت، هذا مجرد اختبار مبدئي وسيزول لاحقًا.

فأغلقت أذني عن التعليقات البذيئة التي يطلقها الرجال كلما دخلت سكرتيرة المدير الشابة، وأغمضت عيني عن كل ما يجري حولي، مركّزة على عملي فقط.

كانت مهمتي تدقيق الرسومات النهائية التي أعدها الرجال للعثور على الأخطاء الطفيفة، لكن الغرفة كان لها تصور مختلف عن وظيفتي، كلما وقفت من مكتبي لأعيد رسمة بها خطأ، سمعت التعليقات وهمسات التهكّم التي تُقال بصوت منخفض، لا يسمعه المدير ولكن يسمعه الجميع.

سرعان ما أدركت أن الرسومات بدأت تتكدس على مكتبي، بعضها بلا أخطاء، والغرض فقط هو رؤيتي أعود بها إلى أصحابها.

لتجنب هذا “طريق العار” الذي عانيته طوال نصف الصيف، قررت أن أقدّم عملي مباشرة إلى مشرفي، وهو رجل قصير ممتلئ ذو عينين جاحظتين، يفصل مكتبه الزجاجي العازل للصوت عن باقي الغرفة.

ولأنني كنت عديمة الخبرة بالبروتوكولات المؤسسية، دخلت إلى مكتبه بحماس، بعدما اكتشفت خطأ جسيمًا في إحدى الرسومات المقرر إرسالها للمقاول في الليلة ذاتها.

دعاني للدخول، ففرشت الرسمة على مكتبه وأشرت إلى موضع مزلق معدني كان من المفترض أن يفرغ المواد على سير ناقل تحته، لكنه في الواقع كان يصبها على بعد قدمين منه، في الفراغ.

“ولماذا جئتِ إليّ بها بدلاً من إرجاعها لمن ارتكب الخطأ؟” سألني.

أتذكر أنني تلعثمت وأنا أشرح الإهانات التي أتعرض لها كل مرة أعيد فيها رسمة لأحدهم، كنت آمل أن يدرك الخطأ الفادح، لا في الرسمة فقط، بل في سلوك الرجال، ويتخذ إجراءً حاسمًا.

راقبته وهو يعيد الحسابات. انتظرت، أملًا في رد فعل يُنقذ بقية الصيف، لكنه بدلًا من ذلك، لعق شفتيه السميكتين، ومد يده ليقبض على معصمي، ويجذبني نحوه حتى شعرت بأنفاسه الكريهة.

قال: “يجب أن تعرفي أن فتاة جميلة مثلك من الطبيعي أن تتوقع، بل وتُقدّر، المزاح الخفيف من زملائها.” زملاء؟ بل جلادون!

خرجت من مكتبه، يغمرني شعور بالخزي والحيرة، مصدومة من رده وعدم رغبته في التدخل، جلست في مكتبي أشعر أن كل العيون عليّ، وأتساءل إن كنت أنا السبب في كل هذا.

هل مظهري هو ما جعلني هدفًا؟ هذا رجل في منصب إدارة، أكبر من والدي، وله ابنتان، ومع ذلك يخبرني أنني أستحق ما يحدث لي لأنني “جميلة”.

في ذلك اليوم، قررت تغيير مظهري تمامًا. طوال ما تبقى من الصيف، توقفت عن حلاقة ساقي، وارتديت جوارب بيضاء قصيرة مع حذاء قديم، وتنورة طويلة مطوية مع قميص أبيض بأكمام طويلة مغلق حتى العنق، وسترة رجالية فضفاضة بلون باهت من متجر الملابس المستعملة، كذلك توقفت عن استخدام مزيل العرق وغسل شعري، الذي كنت أربطه إلى الخلف على شكل كعكة مشدودة.

كان ذلك بمثابة تقديم شكوى لقسم الموارد البشرية، والذي لم يكن موجودًا أصلًا في تلك الشركة.

لم يعترف المشرف يومًا باكتشافي، لكنه استدعى الموظف المسؤول إلى مكتبه، وعندما خرج، نظر إليّ بغضب، وقبل موعد الغداء، كنت قد أصبحت “المتآمرة الحقودة” التي تحاول إظهارهم بمظهر سيئ.

لم أعد أتحمل فقط الإهانات الجنسية، بل أصبحت أُنعَت بـ”الحقيرة” كلما مررت بجانب أحدهم، قررت أن أجعل نفسي غير مرئية قدر الإمكان، وارتداء نفس الزي طوال الخمسة أسابيع التالية أدى الغرض.

كنت في العشرين من عمري عندما حدث ذلك، كنت ساذجة جدًا في ما يتعلق بكيفية وجوب معاملتي، هذا كان قبل ظهور حركة #أنا_أيضًا بسنوات، لكن في أعماقي، كنت أعرف أن هذا السلوك خاطئ.

أفكر في أولئك الفتيات اللاتي كنّ ضحايا لنظام أبوي يحتفل بثنائية “العاهرة/القديسة”، مؤخرًا، أنهيت قراءة كتاب جولي براون المذهل “تشويه العدالة: قصة جيفري إبستين”، واكتشفت أن المدّعين العامين والمدعي العام لفلوريدا كانوا من بين من تجاهلوا معاناة الضحايا وعقدوا صفقة مع المتحرش.

النظرة السائدة كانت أن الفتيات “عاهرات”، وبالتالي كنّ شريكات موافقات ومتواطئات وهنا يكمن الخطأ الفادح.

إبستين كان يستهدف الفتيات من خلفيات أسرية صعبة، وغالبًا كنّ يعانين من صدمات مسبقة، كان يعرف تمامًا كيف يختار الضعيفات والمحتاجات الفتيات اللواتي كنّ يائسات من أجل الحب والقبول والشعور بالأمان.

أعلم ذلك، لأنني كنت واحدة من هؤلاء، أبحث منذ سن مبكرة عن لحظة يشعرني فيها أحدهم بأنني محبوبة وآمنة.

كنت محظوظة. تعرّضت للإهانات والتحرش، لكن لم أعانِ مما عانته أولئك الفتيات، كتمت الغضب بداخلي لسنوات، لكن في وقت لاحق، احتفلت بذلك الغضب البركاني الذي انفجر بداخلي، ومنذ أن خرج، لم يتوقف أبدًا، اختفى الخوف من حياتي إلى الأبد.

وعكس ما يظنه البعض أنا لا أكره الرجال، أكره الرجال الذين يظنون أنهم يملكون الحق في السيطرة، أكره الرجال الذين يعتدون على الفتيات، أكره المتحرشين بالأطفال، وأحتقر الرجال الذين يصمتون أمام هذه الجرائم، فهم، في نظري، مذنبون تمامًا كمن ارتكبها.

قد يعتقد البعض أن نقطة الانفجار بدأت مع ملفات إبستين، لكنها، بالنسبة لي، ولعدد كبير من النساء، تبدأ عندما تمرّين بجانب رجل فيهمس بتعليق بذيء بصوت منخفض، لكنه واضح بما يكفي لتسمعيه.

إنه تهديد ناعم ليخبرك أن له سلطة عليك، استغرق الأمر وقتًا طويلًا حتى أدركت أنني أستطيع الرد: “انقلع!” نعم، تضرر مساري المهني بسبب قولي لتلك الكلمة، لكن الشعور بالرضا كان لا يوصف”.

نشر ملفات إبستين سيكون إشارة واضحة للقوى التي تختبئ خلف المال والعلاقات بأن زمن سيطرتهم انتهى.

الغضب الآن… بلغ السماء.

حول الكاتبة: 

على مدار أكثر من ثلاثين عامًا، جابت جيه. آر. روسل العالم في عملها كعارضة أزياء وممثلة إعلانات، قبل أن تستقر في وادي هدسون لتربية أسرتها. تخرجت من جامعة نيويورك، حيث درست الكتابة الإبداعية. كتاب “Unmoored” هو مذكراتها الأولى. تعيش حاليًا مع زوجها وابنتها في بيتسبرغ.