في ظل التحديات السياسية والإقتصادية المتفاقمة التي تواجهها مصر تحت قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، يبرز نمط متكرر من الحملات الحكومية التي تبدو كمحاولات لصرف الانتباه عن القضايا الجوهرية.
من بين هذه الحملات، تأتي “الحرب على الإلحاد والتصدي له” كأحدث تجليات هذه الاستراتيجية، حيث تسعى السلطات إلى تعزيز الولاء الشعبي من خلال استغلال المشاعر الدينية، بينما تتجاهل الإنهيار الإقتصادي والتطرف الديني الذي يهدد استقرار البلاد فعلياً.
وبينما تشهد مصر حاليا حملة لاعتقال الناشطين الملحدين وتكمم أفواههم، حددت وزارة الأوقاف موضوع “اليقين وخطط مواجهة الإلحاد” لخطبة الجمعة، وكأن الإلحاد وحش يفجر المساجد أو يقتل الناس، إنه مجرد موقف من الله، ليست عقيدة ولا ديانة ولا منظمة إرهابية.
وفي هذا السياق، أطلقت الحكومة مؤخراً مبادرات مثل “صحح مفاهيمك” برعاية رئيس الوزراء، والتي تستهدف مواجهة “التطرف اللاديني” بما في ذلك الإلحاد والإدمان والانتحار، كما أعلنت وزارة الأوقاف عن جهود لتحقيق أعلى مستويات الانضباط الإداري والدعوي في مواجهة هذه الظواهر.
ومن المعلوم للمراقبين أن مصر السيسي تشتري الوقت من خلال شن حروب لا تغني ولا تسمن من جوع المصريين، من الحرب على الراقصات ومؤثري تيك توك إلى الحرب العنيفة على الإلحاد.
هذه اللعبة التي يمارسها الرئيس عبد الفتاح السيسي بالتعاون مع الأزهر والسلفيين الموالين له، يحاول من خلالها إغلاق الطريق على جماعة الإخوان المسلمين التي تعتبر القيادة المصرية كافرة ومتصهينة وموالية لإسرائيل، وتنتشر أفكارها من جديد بين فئة كبيرة من المسلمين الذين ينظرون إلى الحكام العرب على أنهم خونة ومتخاذلين.
وتحاول القيادة المصرية من خلال هذه الحروب العبثية كسب ولاء غالبية الشعب المصري الذي لا يزال متمسكاً بالإسلام، وإلهائهم بصراعات وحروب بعيداً عن القضايا الملحة، وعلى رأسها الفشل الاقتصادي الذي حدث بسبب تقاعس الحكومة المصرية عن تحرير الجنيه والاقتصاد كلياً والانتقال إلى اقتصاد السوق الحقيقي.
وقد أدت سياسات السيسي إلى أزمة اقتصادية متفاقمة، حيث انخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 2.4% في العام المالي 2023/2024، مقارنة بـ3.8% في العام السابق، بسبب أزمة العملة الأجنبية والديون المتزايدة وعجز مصر عن الدفاع عن قناة السويس ضد هجمات الحوثيين.
بل عملت الحكومة من خلال إعلامها على تبني الرواية الشعبية الجاهلة التي تقول أن صندوق النقد الدولي يتآمر على مصر ويريد تحطيمها، وهو ادعاء كاذب، إذ بنفس الوصفة وبنفس الطريقة أنقذ الصندوق كوريا الجنوبية بعد أزمة عام 1997، وروسيا بعد أزمة عام 1998، وكذلك أيرلندا واليونان ودول أخرى في أزمة الديون الأوروبية 2010.
وفي مقابل انتشار الإلحاد بين الشباب مع اكتشفاهم خرافات الإسلام والأديان الإبراهيمية وتطرفها ودورها في الصراعات الكبرى بالشرق الأوسط والتي لا تزال الشعوب تدفع ثمنها، تصاعد التطرف بين الشباب المسلم على أثر شعورهم بأن الحكومات خذلت شعب غزة، وإيمانهم بالأمة الإسلامية والشعارات الدينية غير الوطنية التي تستلزم من الدول الإسلامية الدخول في حروب عبثية ضد إسرائيل كما حدث سابقاً من أجل الفلسطينيين.
وفي الواقع، فإن هذه الحملات ضد الإلحاد تأتي في وقت يشهد فيه الاقتصاد المصري تأجيلاً للشرائح التمويلية من صندوق النقد، كما في حالة الشريحة الثالثة التي تم تأجيلها إلى أجل غير مسمى، ما يعكس فشل الإصلاحات بسبب تقاعس الحكومة وعدم جدية الجيش المصري الذي لا يريد ترك الإقتصاد للمتخصصين والقطاع الخاص.
الحرب اليوم على الإلحاد مضحكة ومجرد حرب عبثية، لأن ما يجب أن يحاربه السيسي فعلاً هو الفقر والتطرف الديني اللذان يهددان الدولة المصرية بفوضى جديدة.
فبدلاً من التركيز على إصلاحات اقتصادية حقيقية، مثل تلك التي يدعو إليها صندوق النقد لتحقيق نمو بنسبة 4% في 2025، يستمر النظام في سياساته القمعية والدعائية التي تفاقم الأزمة بدلاً من حلها.
إن استمرار هذا النهج لن يؤدي إلا إلى تعميق الإستياء الشعبي وتزايد الهوة بين الشعب والحكومة، وفي النهاية ستنتهي حرب غزة وسيتراجع حالة الغضب مما يحدث في غزة وسيواجه السيسي الغضب الشعبي من فشله الاقتصاد مقابل تقدم الدول الإقليمية المنافسة.
لذا نصيحتنا للرئيس عبد الفتاح السيسي في مصر في نفس نصيحة صندوق النقد الدولي وحتى الملياردير نجيب ساويرس: من الضروري تحرير الاقتصاد المصري وذلك من خلال منع الجيش من ممارسة الأنشطة التجارية وإزالة كل العراقيل أمام القطاع الخاص وتحرير الجنيه المصري بشكل نهائي.
هذا هو الطريق الوحيد أمام مصر لحماية الاستقرار الإجتماعي وتجنب ثورة جديدة وفوضى ستقودها الجماعات الإسلامية المتشددة كما العادة، أما الحروب العبثية ضد المؤثرين والناشطين وأصحاب المعتقدات غير الإسلامية لا تزيد الشباب إلا نفورا من حكم السيسي والدولة المصرية.

