الإمارات لا تدعم قوات الدعم السريع ولا الجيش السوداني

في السودان يقال أن الإمارات تدعم قوات الدعم السريع ضد الجيش السوداني، وبينما نحن على ثقة بأنها لا تدعم الجيش الإخواني إلا أن القول بأنها مع قوات محمد حمدان دقلو (حميدتي) ليس دقيقا.

ألقى السفير محمد أبو شهاب، المندوب الدائم لدولة الإمارات لدى الأمم المتحدة، كلمة جريئة أمام مجلس الأمن خلال جلسة مخصصة لبحث الوضع الكارثي في السودان، حيث أكد على أن “القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع قد أقصيا نفسيهما من تشكيل مستقبل السودان”.

تصريحات السفير الإماراتي من الأكيد أنها مفاجئة للكثير من المتتبعين وهي ليست مجرد كلام للتهرب من دور بلاه الحقيقي في السودان ولكنها بوابة لفهم السياسة الإماراتية في السودان.

إعلان رفض قاطع لأطراف الصراع.. ودعوة لعصر جديد

يأتي تصريح أبو شهاب في سياق يتجاوز العامين والنصف منذ اندلاع النزاع السوداني في أبريل 2023، والذي أودى بحياة عشرات الآلاف وشرد ملايين، وفقاً لتقارير الأمم المتحدة.

لم يتردد السفير الإماراتي في وصف الطرفين المتحاربين بأنهما “خارج المعادلة”، مشدداً على أن “أي خطاب يلقى في هذه القاعة من ممثل أحد الأطراف المتحاربة لا يمكنه إخفاء من هم أو ما هم عليه”.

هذا الرفض المزدوج للجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان، ولقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) يعكس موقفاً إماراتياً ثابتاً، كما أكدته دولة الإمارات في بيانات سابقة، مثل ذلك الصادر في أبريل 2025، الذي دعا إلى “صمت المدافع” ووقف فوري للقتال دون شروط.

ما يجعل هذا التصريح مثيراً للإعجاب هو توقيته. ففي الوقت الذي يشهد فيه السودان تصعيداً دراماتيكياً، مثل الهجمات المشينة على مدينة الفاشر التي دانتها الإمارات كـ”انتهاك صارخ للقانون الإنساني الدولي”، يأتي الكلام الإماراتي ليفتح باباً للحلول المدنية.

إنه ليس مجرد نقد، بل دعوة عملية للمجتمع الدولي – بقيادة الولايات المتحدة والمعسكر الغربي – للتركيز على الشعب السوداني، الذي يعاني من مجاعة تهدد 25 مليون نسمة، وفقاً لتقديرات منظمة الأغذية والزراعة.

هنا، تكمن عبقرية الرؤية الإماراتية: الاعتراف بأن السلام لا يُرسم في ميدان المعركة، بل في قاعات الحوار المدني.

الإمارات ضد حكم الإخوان المسلمين في السودان

لنفهم عمق الرؤية الإماراتية في السودان، يجب أن نعود إلى الجذور الأيديولوجية للصراع السوداني، فالإمارات، التي تحارب جماعة الإخوان المسلمين منذ عقود، ترى فيها “فوضى توسعية” تهدد الأمن القومي العربي، وتخدم أطماع تركيا في إعادة احتلال البلدان الناطقة بالعربية.

في السودان، يتجلى هذا التهديد بوضوح: البرهان، قائد الجيش، مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحركة الإسلامية السودانية، التابعة للإخوان، التي حكمت البلاد تحت راية عمر البشير لثلاثة عقود، محولة إياها إلى ملاذ للإرهاب والتطرف.

في أبريل 2025، أجرت مصادر سودانية زيارة سرية للبرهان إلى تركيا، حيث عقد لقاءات مع قيادات الإخوان في المنفى، بهدف “إعادتهم إلى المشهد السوداني” وتوطيد التحالف مع أنقرة.

كما أن تركيا، التي تستضيف رموز الجماعة منذ سقوط نظام البشير، لا تكتفي بدعم سياسي فهي توفر تمويلاً وأسلحة، كما كشفت تقارير عن نقل أموال الإخوان إلى بنوك تركية، وتدريب كتائب إسلامية في إسطنبول.

هذا الدعم ليس عفوياً إنه جزء من استراتيجية أردوغان لإحياء “الخلافة العثمانية” في القرن الـ21، مستغلاً الإخوان كأداة لنشر الفوضى في ليبيا، مصر، والسودان.

وفي نوفمبر 2024، سقطت الأقنعة تماماً عندما هاجم رجل دين سوداني مقيم في إسطنبول، عبد الحي يوسف، البرهان علناً، متهماً إياه بـ”الخيانة” لمصلحة الإخوان، مما كشف التنافس الداخلي داخل الجماعة للسيطرة على السلطة.

هنا تبرز الإمارات كحارس للأمن العربي إذ منذ ثورة 2011 في مصر، دعمت الإمارات السيسي ضد الإخوان، مروراً بدعمها للواء خليفة حفتر في ليبيا ضد حكومة الوفاق الإسلامية، إلى السودان اليوم، تُقدم أبوظبي نموذجاً لمقاومة الإسلام السياسي الداعم للإرهاب والفوضى والمعاد للتقدم وقيم المجتمع الدولي.

ويسعى الإخوان لـ”خلافة إسلامية دموية توسعية” من خلال الديمقراطية، ولديهم شعبية جارفة بسبب الجهل والتدين الشائع على المستوى الشعبي.

الجيش السوداني: استبداد عسكري لا يختلف عن الإسلاميين

إذا كان الإخوان يمثلون التهديد الأيديولوجي، فإن الجيش السوداني يجسد الاستبداد العسكري البحت، وللعلم هذه مشكلة الجيش المصري أيضا الذي يرفض ترك الاقتصاد لأهله.

بعد الإطاحة بالبشير في 2019، سيطر البرهان على الحكم، محولاً السودان إلى نظام شمولي يقمع المدنيين ويرفض الإنتخابات.

ويحاول البرهان أن يبني دولة عسكرية منغلقة على ذاتها لا تنسجم مع رؤية الإمارات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والتي تقوم على دعم الاستقرار والإزدهار.

وتكمن جوهرة الرؤية الإماراتية في تحويل الشرق الأوسط إلى “سوق كبيرة” قائمة على التجارة الحرة، مستوحاة من النموذج النيوليبرالي الذي بنته أبوظبي ودبي منذ السبعينيات.

الإمارات، التي تحتل المرتبة الخامسة عالمياً في مؤشر الرخاء، ترى في السودان فرصة للاندماج الاقتصادي: استثمارات في الزراعة، الطاقة المتجددة، والموانئ، لتحويل البلاد من مصدر فوضى إلى شريك تجاري.

هذا النموذج ليس نظرياً؛ فهو ناجح في الإمارات، حيث بلغ الناتج المحلي الإجمالي 500 مليار دولار في 2024، معدل نمو 7%، مدفوعاً بالتجارة الحرة والاستثمار الأجنبي.

في الواقع، الإمارات لم تتردد في دعم الجهود الإنسانية، حيث قدمت مساعدات بمليارات الدولارات للاجئين السودانيين، ودعت إلى “عملية انتقالية شاملة وشفافة” يقرر فيها الشعب مصيره.