
أدرجت دولة الإمارات العربية المتحدة جمهورية صوماليلاند (أرض الصومال) ككيان مستقل في نظامها الرسمي للإقامة والتأشيرات، في خطوة تُعتبر اعترافاً غير مباشر بهذه المنطقة الانفصالية عن الصومال.
هذا الإجراء، الذي أثار جدلاً واسعاً على وسائل التواصل، جاء متزامناً مع رفض أبوظبي التوقيع على بيان عربي-إسلامي يدين الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند، الذي أعلنه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في 26 ديسمبر 2025.
مجلة “أمناي” تحقق في هذه التطورات، مستندة إلى مصادر دبلوماسية وأمنية، لتكشف كيف تحولت مصالح الإمارات في خليج عدن إلى سياسة واقعية تعيد رسم الخريطة الجيوسياسية في المنطقة.
من الاعتراف الإسرائيلي إلى الرد الإماراتي
بدأت القصة مع إعلان نتنياهو الإعتراف بصوماليلاند كدولة مستقلة، في خطوة وصفها بـ”دعم الديمقراطية في إفريقيا”، لكنها أثارت غضباً عربياً وإسلامياً واسعاً.
ردا على ذلك وقعت 21 دولة بما في ذلك السعودية ومصر والأردن وتركيا وإيران، بياناً مشتركاً يدين الإعلان كـ”انتهاك للقانون الدولي وسيادة الصومال”.
ومع ذلك، غابت الإمارات عن التوقيع، كما أفادت صحيفة “ينت” الإسرائيلية، التي أوضحت أن هذا الغياب كان متعمداً لحماية مصالح أبوظبي في المنطقة، بما في ذلك قاعدتها العسكرية في مدينة بربرا الساحلية، التي أقيمت منذ 2017 وتشمل مدرجاً طوله أربعة كيلومترات ومرفأ مائياً عميقاً قيد الإنشاء، قادر على استضافة طائرات ثقيلة ومقاتلة.
في 1 يناير 2026، اعترفت الإمارات بجوازات سفر صوماليلاند في نظامها الإلكتروني للإقامة والتأشيرات (eChannels)، مع حظر إصدار تأشيرات سياحية وعمل لحاملي جوازات الصومال الرسمية.
هذا الإجراء، الذي وثقته تغريدة للصحفي عبد الحميد أحمد حمدي على منصة إكس، يُعتبر اعترافاً عملياً بصوماليلاند ككيان منفصل، رغم عدم إعلان رسمي.
التغريدة، التي حصدت آلاف التفاعلات، أبرزت الأسباب الاستراتيجية وراء الخطوة، من موقع صوماليلاند عند باب المندب إلى استثمارات الإمارات في ميناء بربرا بقيمة تزيد عن 400 مليون دولار، لتحويله إلى بوابة تجارية لإثيوبيا والمنطقة.
أهمية صوماليلاند للإمارات
من منظور أمني، يمثل الاعتراف الإماراتي خطوة محسوبة لتعزيز السيطرة على طرق الملاحة في البحر الأحمر.
صوماليلاند، التي أعلنت استقلالها عن الصومال في 1991، تتمتع باستقرار نسبي مقارنة بالفوضى في مقديشو، حيث تسيطر جماعات إرهابية مثل حركة الشباب.
وترى الإمارات، التي طبعت علاقاتها مع إسرائيل في 2020 عبر اتفاقات إبراهيم، في صوماليلاند شريكاً موثوقاً لمواجهة نفوذ تركيا وقطر في الصومال الرسمي.
وأوضحت “واي نت” أن موقف الإمارات كان مقصودًا، ويعكس سنوات من الجهود المبذولة لبناء علاقات مع “أرض الصومال”، بما في ذلك إنشاء قاعدة عسكرية في مدينة بربرة الساحلية منذ عام 2017.
وتضم القاعدة، بحسب التقارير، مدرجًا بطول أربعة كيلومترات وميناءً للمياه العميقة قيد الإنشاء، قادرًا على استقبال الطائرات الثقيلة والمقاتلة.
وأضافت الصحيفة أن أبو ظبي تتبع سياسة ذات مسارين ألا وهما، تعزيز العلاقات مع “أرض الصومال” مع الحفاظ على التواصل الرسمي مع حكومة الصومال المعترف بها دولياً من خلال زيارات رفيعة المستوى تهدف إلى توسيع التعاون وتعزيز الاستقرار والتنمية.
قاعدة بربرا، التي أنشأتها شركة موانئ دبي العالمية (DP World)، ليست مجرد مرفأ تجاري؛ إنها نقطة ارتكاز عسكرية تتيح للإمارات السيطرة على خليج عدن، مما يعزز أمن الملاحة البحرية ويوازن التواجد الإيراني والحوثي في اليمن المجاور.
مصادر أمنية مطلعة أكدت أن هذه القاعدة قادرة على استضافة عمليات جوية واسعة، مما يجعلها جزءاً من شبكة الإمارات العسكرية في المنطقة، التي تشمل قواعد في اليمن والسودان وإريتريا.
بالتوازي، تحافظ أبوظبي على قنوات رسمية مع حكومة مقديشو، من خلال زيارات رفيعة المستوى تهدف إلى تعزيز التعاون الأمني والتنموي، في سياسة “مسارين متوازيين” تسمح لها بالحفاظ على نفوذها دون مواجهة مباشرة.
اعتراف إماراتي ذكي بأرض الصومال
يعد هذا الاعتراف الإماراتي خطوة ذكية في “لعبة الشطرنج” الإقليمية، حيث تسعى أبوظبي لتوازن قوى معادية مثل إيران والحوثيين، مع الاستفادة من الاستقرار في صوماليلاند لتوسيع استثماراتها الاقتصادية.
ومع ذلك، يثير الخطوة مخاوف من تصعيد التوترات مع الصومال، الذي يرى في ذلك “تفتيتاً لسيادته”، خاصة مع دعم تركيا وقطر لحكومة مقديشو.
الجانب غير المُسلّط عليه الأضواء هو الإمارات قد سبقت الولايات المتحدة بخطوة في هذا الملف، وهو ما يرفع الحرج عليها إذا قررت إدارة ترامب الاعتراف بالجمهورية المستقلة فعليا منذ 1991، حيث ستجد بقية الدول نفسها مرغمة للإعتراف بهذه الجمهورية.
ويمثل اعتراف الإمارات بصوماليلاند تحولاً أمنياً يعيد رسم التحالفات في البحر الأحمر، حيث تبرز أبوظبي كقوة مؤثرة قادرة على الجمع بين الدبلوماسية والقوة العسكرية.
