
في عالم يدعي الالتزام بالعدالة والحقوق الإنسانية، يظل الأكراد – أكبر شعب بدون دولة مستقلة – شاهداً حياً على تناقضات النظام الدولي.
كما أن الاحتلال يكشف أيضا عن تناقضات المسلمين الذين يطالبون بدولة فلسطينية ويتحدثون عن الحق الفلسطيني، ولا يعترفون بحق الأكراد في بناء دولة لهم.
عدد الأكراد في الشرق الأوسط
يقدر عددهم بين 30 و45 مليون نسمة، يتوزعون تحت سيطرة أربع دول مركزية: تركيا، إيران، العراق، وسوريا، التي مارست عليهم قمعاً تاريخياً ممنهجاً.
هذا الشعب، الذي يمتلك تاريخاً عريقاً وثقافة متميزة، يستحق دولة مستقلة تضمن له الحرية والكرامة، ومع الأحداث المتسارعة في سوريا عام 2025، قد تكون هذه اللحظة التاريخية بداية لتحقيق ذلك الحلم، إذا استغل الأكراد وحدتهم ودعم المجتمع الدولي.
دعونا نبدأ بالأرقام، التي تكشف حجم الظلم. في تركيا، يعيش نحو 14.7 إلى 20 مليون كردي، يشكلون 18-25% من السكان، حسب تقديرات معهد الكرد في باريس لعام 2017 ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية.
أما في إيران، فهم 8.1 إلى 12 مليوناً، أي 10% من السكان. في العراق، يصل عددهم إلى 5.5 إلى 8.5 مليون، يمثلون 15-20% من السكان.
أما في سوريا، فيبلغ 1.5 إلى 3.6 مليون، أي 9% من السكان. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، إنها دليل على شعب مقسم قسراً، يعيش تحت “احتلال” يرفض الاعتراف بهويته، كما يصفها تقرير لمعهد السلام الكردي لعام 2025.
قمع الأكراد في الشرق الأوسط
التاريخ يشهد على القمع الذي تعرض له الأكراد ومحاولة الدول الأربعة للقضاء عليهم بشكل نهائي، ولولا القوانين الدولية لحصلت مجازر أكبر وتهجير لهم من المنطقة.
بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وعدت معاهدة سيفر عام 1920 بإقامة دولة كردية، لكن معاهدة لوزان عام 1923 ألغت ذلك، مقسماً كردستان بين الدول الأربع.
في تركيا، فرضت سياسات “التتريك”، بما في ذلك منع اللغة الكردية والأسماء، وتدمير آلاف القرى، مما أدى إلى نزوح ملايين.
في إيران، قمع الشاه ثم الجمهورية الإسلامية الانتفاضات الكردية، كما في جمهورية مهاباد القصيرة الأجل عام 1946.
في العراق، أدت حملة الأنفال تحت صدام حسين إلى قتل 182 ألف كردي وتدمير آلاف القرى بالغازات الكيميائية، كما في مذبحة حلبجة عام 1988.
أما في سوريا، فحرمت نظام البعث مئات الآلاف من الكرد من الجنسية، ومنعت اللغة والثقافة الكردية، هذا القمع ليس مصادفة؛ إنه سياسة ممنهجة لمحو هوية شعب يمتلك تاريخاً يعود إلى العصور الوسطى، كما في الإمبراطوريات الكردية مثل الأيوبيين والمروانيين.
ولا تزال تركيا إلى يومنا هذا تشن هجمات على الأكراد سواء في جنوبها أو في شمال سوريا والعراق، وقد نشرت قواعدها العسكرية في العراق وسوريا لضرب هذه الأمة.
حق الأكراد في الإستقلال يكفله القانون الدولي
الحق في دولة مستقلة ليس مجرد مطلب عاطفي، إنه حق قانوني مدعوم بالقانون الدولي.
اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1966 بشأن الحقوق المدنية والسياسية تؤكد حق الشعوب في تقرير مصيرها.
الأكراد شعب متميز بلغته (الكرمانجية والسورانية)، ثقافته، وتاريخه، كما يؤكد تقرير لمعهد السلام الكردي.
في العراق، حقق الكرد حكماً ذاتياً بعد سقوط صدام، لكن حتى ذلك يعاني من تدخلات بغداد، كما في فقدان السيطرة على كركوك عام 2017.
حركات الاستقلال، مثل حزب العمال الكردستاني (PKK) في تركيا، والتي صنفتها بعض الدول إرهابية، هي رد فعل طبيعي على القمع، وتطالب بحقوق ثقافية وسياسية.
لكن التاريخ يعلمنا أن الشعوب المضطهدة تنتصر في النهاية، كما في استقلال دول البلطيق من الاتحاد السوفييتي وعدد من الدول الكبرى مثل أوكرانيا.
استقلال الأكراد قد يبدأ من سوريا
أما في سوريا عام 2025، فالأحداث تفتح باب الأمل، بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، سيطرت قوات سوريا الديمقراطية (SDF) على مناطق واسعة، ووقعت اتفاقاً في مارس 2025 مع الحكومة الانتقالية للاندماج، مع ضمانات للحقوق الثقافية والمواطنة.
لكن هذا الاتفاق هش، إذ يواجه تهديدات تركية، كما في هجمات أنقرة المتكررة، في أبريل 2025، عقد مؤتمر وحدة كردية في القامشلي، حضره مندوبون من العراق وتركيا، لتعزيز الموقف الكردي.
هذه التطورات، مع دعم أمريكي وأوروبي، قد تكون بداية لاستقلال كردي في روجافا، خاصة مع انسحاب أمريكي محتمل يدفع لاتفاقات جديدة.
منطقياً، إذا استمر القمع، سينفجر الوضع. في تركيا، ارتفاع معدل الخصوبة الكردي (3-4 أطفال مقابل 1.5 للترك) يهدد بتغيير التوازن الديموغرافي بحلول 2040.
في إيران، الاحتجاجات الكردية مستمرة، رغم القمع. في العراق، الحكم الذاتي نموذج ناجح، لكنه يحتاج توسيعاً، في سوريا، الاتفاق الأخير قد يكون خطوة نحو فدرالية، لكن رفض الاستقلال يعني استمرار التبعية.
الأكراد يستحقون دولة، لأنهم دفعوا ثمناً باهظاً: آلاف الشهداء في مواجهة داعش، ومذابح تاريخية، إذا وحد الأكراد صفوفهم، كما في مؤتمر القامشلي، واستغلوا الفوضى السورية، فسيصبح استقلال كردستان واقعاً.
التاريخ لا يرحم الضعفاء، والأكراد ليسوا كذلك؛ هم أمة تستحق مكانها تحت الشمس.
