
تتسارع الأحداث في الشرق الأوسط نحو تحولات دبلوماسية غير مسبوقة، حيث تبرز إيران وسوريا والسعودية كلاعبين رئيسيين في مشهد يتعلق بالتطبيع مع إسرائيل.
في ظل الجهود الأمريكية بقيادة الرئيس المنتخب دونالد ترامب لتوسيع اتفاقيات إبراهيم، وتطورات المفاوضات النووية مع إيران، وتصريحات قادة سوريا الجديدة، تتشكل ديناميكيات جديدة قد تعيد رسم خريطة العلاقات الإقليمية.
هذه المقالة تستعرض الدوافع والتحديات التي تواجه كل دولة في هذا المسار، مع تحليل الظروف الإقليمية التي تدفع نحو التطبيع مع إسرائيل.
التطبيع بين السعودية وإسرائيل جزء من صفقة دفاعية أمريكية
تُعتبر السعودية ركيزة أساسية في أي خطة لتوسيع اتفاقيات إبراهيم، التي رعاها ترامب في ولايته الأولى عام 2020، والتي شملت تطبيع العلاقات بين إسرائيل وكل من الإمارات والبحرين والمغرب والسودان.
منذ سبتمبر 2023، أكد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في مقابلات مع وسائل إعلام أمريكية أن المملكة “تقترب كل يوم” من التطبيع مع إسرائيل، لكنه شدد على أن القضية الفلسطينية تظل “مهمة للغاية” ويجب أن تُحل كجزء من أي اتفاق.
تجري السعودية مفاوضات مع الولايات المتحدة وإسرائيل بوساطة أمريكية، حيث تشترط الرياض إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
بالإضافة إلى ذلك، تسعى المملكة للحصول على ضمانات أمنية أمريكية، بما في ذلك اتفاقية دفاع مشترك، ودعم لتطوير برنامج نووي مدني. تصريحات السفير السعودي في لندن، الأمير خالد بن بندر، في يناير 2024، أكدت أن الاتفاق كان “وشيكًا” قبل أن تعلق المحادثات بسبب هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، لكن الاهتمام بالتطبيع لا يزال قائمًا بعد انتهاء حرب غزة.
يرى المحللون أن السعودية تسعى من خلال التطبيع مع إسرائيل إلى تعزيز موقعها كقوة إقليمية في مواجهة النفوذ الإيراني، إلى جانب تحقيق مكاسب اقتصادية وتكنولوجية من التعاون مع إسرائيل.
ومع ذلك، تواجه المملكة ضغوطًا داخلية وإقليمية لعدم التخلي عن القضية الفلسطينية، خاصة بعد الخسائر البشرية الكبيرة في غزة، التي تجاوزت 50 ألف قتيل بحسب وزارة الصحة الفلسطينية.
تظل حكومة نتنياهو اليمينية المتشددة عائقًا أمام التنازلات المطلوبة للفلسطينيين، مما يعقد المفاوضات. كما أن الرأي العام العربي والإسلامي يشكل تحديًا، حيث تتمتع السعودية بمكانة رمزية كقائدة للعالم الإسلامي، ومع ذلك، فإن الدعم الأمريكي المتوقع في عهد ترامب، الذي يسعى لتحقيق إنجاز دبلوماسي كبير، قد يسرع من هذا المسار.
التطبيع بين سوريا وإسرائيل ضمان استقرار الشام
تشهد سوريا، تحت قيادة الرئيس أحمد الشرع، مرحلة انتقالية بعد سقوط نظام بشار الأسد. في مقابلة حصرية مع صحيفة “جيروزاليم بوست”، كشف النائب الأمريكي مارلين شتوتزمان عن انفتاح الشرع على تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وهو موقف غير مسبوق في تاريخ العلاقات السورية-الإسرائيلية التي اتسمت بالعداء منذ 1948.
أشار شتوتزمان إلى أن الشرع يربط التطبيع بضمان سيادة سوريا ووحدة أراضيها، مع التركيز على وقف الغارات الإسرائيلية على الأراضي السورية ومعالجة قضية هضبة الجولان المحتلة.
كما أعرب الشرع عن رغبته في رفع العقوبات الأمريكية على سوريا لإعادة إدماجها في المجتمع الدولي، وهو ما يراه مرتبطًا بتحسين العلاقات مع إسرائيل.
تأتي هذه التصريحات في ظل رغبة الحكومة السورية الجديدة في إعادة بناء الاقتصاد والعلاقات الدولية بعد سنوات من الحرب الأهلية.
تحدث الشرع عن تطوير التجارة والسياحة وإنشاء ممرات تجارية تربط الجنوب بالشمال وصولًا إلى أوروبا، لكن اضطهاد قواته لسكان الساحل السوري والتوتر مع الدروز والأكراد يهدد المرحلة الإنتقالية برمتها.
ويواجه التطبيع بين سوريا وإسرائيل عقبات كبيرة، أبرزها قضية الجولان، التي تظل نقطة خلاف مركزية، كما سيطرت إسرائيل على المزيد من الأراضي السورية مؤخرا بهد انسحاب الجيش السوري منها.
التطبيع بين إيران وإسرائيل سيغير الشرق الأوسط
تُعتبر إيران الدولة الأكثر عداءً لإسرائيل في المنطقة، حيث تتبنى سياسة معادية ترتكز على دعم فصائل مثل حزب الله وحماس والحوثيين.
ومع ذلك، تُظهر مفاوضات نووية جارية بوساطة سلطنة عمان بين إيران والولايات المتحدة إمكانية إبرام “الاتفاق النووي 2.0″، والذي قد يشمل، بحسب مصادر دبلوماسية، تنازلات إيرانية بشأن طموحاتها العدائية تجاه إسرائيل، بما في ذلك فتح قنوات للتطبيع.
تسعى إيران من خلال المفاوضات إلى رفع العقوبات الاقتصادية التي أثرت بشدة على اقتصادها، في المقابل، تشترط الولايات المتحدة وإسرائيل تقليص دعم إيران للوكلاء الإقليميين والحد من برنامجها النووي.
تصريحات ولي العهد السعودي في 2023 حذرت من أن السعودية قد تسعى لامتلاك أسلحة نووية إذا حصلت إيران عليها، مما يعزز الضغط على طهران للوصول إلى اتفاق.
على الرغم من أن التطبيع بين إيران وإسرائيل يبدو بعيد المنال حاليًا، فإن التغيرات الإقليمية، مثل تراجع نفوذ إيران في سوريا بعد سقوط الأسد، وتحسن العلاقات السعودية-الإيرانية بوساطة صينية في ceis2023، قد تخلق مناخًا يسمح بتخفيف العداء.
العداء الأيديولوجي العميق بين إيران وإسرائيل، إلى جانب دعم طهران المستمر لفصائل مثل الحوثيين، يجعل التطبيع تحديًا هائلاً، كما أن أي اتفاق نووي يتطلب موافقة الكونغرس الأمريكي، الذي قد يعارض تنازلات كبيرة لإيران، ومع ذلك، فإن الضغوط الاقتصادية والإقليمية قد تدفع إيران لإعادة تقييم موقفها.
