أسلحة أمريكا جيش الولايات المتحدة

مثّلت عملية “العزم المطلق”، وهي العملية العسكرية الأمريكية التي نُفّذت في فنزويلا مطلع يناير 2026، إحدى أهم التدخلات في أمريكا اللاتينية في حقبة ما بعد الحرب الباردة.

لم يكن اعتقال نيكولاس مادورو وحده ما جعل العملية استثنائية، بل الطريقة التي نُفّذت بها: بسرعة، وبتنسيق تقني فائق، ودون وقوع أي خسائر بشرية في صفوف القوات الأمريكية.

كان جوهر هذه النتيجة هو التحييد السريع والحاسم لشبكة الدفاع الجوي الفنزويلية فوق كاراكاس، وهي منظومة لطالما صوّرتها الحكومة الفنزويلية على أنها من أقوى المنظومة في المنطقة، وحجر الزاوية في استراتيجية الردع التي يتبناها النظام.

لم يكشف انهيار هذه الشبكة عن نقاط ضعف تكنولوجية ولوجستية فحسب، بل كشف أيضاً عن عيوب هيكلية أعمق متجذرة في الإهمال، والثقة المفرطة، وسوء فهم جوهري لكيفية إدارة الحروب الحديثة.

لسنوات، اعتمد مادورو على صورة درع دفاع جوي روسي الصنع، ذي قوة هائلة، لفرض قوته داخلياً، وإظهار تحديه دولياً.

خلال المواجهات الكلامية المتكررة مع واشنطن، ولا سيما خلال رئاسة دونالد ترامب، تفاخر مادورو مرارًا بقدرة فنزويلا على صدّ أي هجوم جوي.

واستشهد بنشر أنظمة روسية متطورة مثل بانتسير، وبوك-إم2، وصواريخ إيغلا-إس، المدمجة بتقنية الرادار الصينية، كدليل على امتلاك فنزويلا لأقوى منظومة دفاع جوي في أمريكا اللاتينية.

لم يكن هذا الادعاء بلا أساس من الصحة. فمنذ أواخر العقد الأول من الألفية الثانية، استثمرت فنزويلا بكثافة في الدفاع الجوي، وحصلت على شبكة متعددة الطبقات مصممة لمواجهة التهديدات على ارتفاعات ومدى متعددين.

وعلى الورق، بدا النظام قويًا للغاية، خاصة في منطقة لا تولي فيها معظم الدول اهتمامًا كبيرًا للدفاع الجوي نظرًا لانخفاض احتمالية نشوب نزاعات جوية بين الدول.

ووفقًا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، زودت روسيا فنزويلا بمجموعة من أنظمة الدفاع الجوي بين عامي 2008 و2014، مع أن المعهد نفسه يشير إلى أن بياناته غير مكتملة بسبب محدودية الشفافية.

وبعيدًا عما هو موثق علنًا، يعتقد الخبراء على نطاق واسع أن فنزويلا كانت تمتلك أنظمة ومتغيرات إضافية لم يتم ذكرها بالكامل في المصادر المفتوحة.

بمرور الوقت، أدى هذا التراكم إلى إنشاء واحدة من أكثر شبكات الدفاع الجوي كثافة في أمريكا اللاتينية، حيث جمعت بين أنظمة صواريخ بعيدة ومتوسطة المدى وأنظمة دفاع قصيرة المدى وآلاف الصواريخ المحمولة على الكتف.

في أكتوبر 2024، أشارت التقارير إلى أن روسيا سلمت فنزويلا منظومات إضافية من طراز بانتسير وبوك-إم2 وإيغلا-إس، مما عزز الاعتقاد بأن دفاعات فنزويلا تُصان وتُطوّر.

كان للرمزية السياسية لهذه الترقيات دلالة كبيرة. فقد أصبح الدعم العسكري الروسي ركيزة أساسية في ادعاء مادورو بأن فنزويلا قادرة على الصمود أمام الضغوط والتدخلات الأمريكية.

في عام 2015، مُنح وزير الدفاع الروسي آنذاك، سيرغي شويغو، وسام الاستحقاق للأمن القومي الفنزويلي، في لفتة تُبرز عمق التعاون العسكري بين كاراكاس وموسكو في ذلك الوقت.

وفي أكتوبر 2025، صرّح مادورو علنًا بأن فنزويلا تمتلك ما لا يقل عن 5000 صاروخ إيغلا-إس، مؤكدًا أن “جميع القوات المسلحة في العالم تُدرك قوة صاروخ إيغلا-إس”، عززت هذه التصريحات فكرة وجود درع جوي منيع، سواءً للجمهور المحلي أو للخصوم المحتملين.

لكن وراء هذه الصورة المصقولة بعناية، تكمن حقيقة أكثر هشاشة، فأنظمة الدفاع الجوي المتقدمة ليست رموزًا ثابتة للقوة، بل هي شبكات معقدة تتطلب صيانة مكثفة واستثمارًا مستمرًا في التدريب والإمداد وقطع الغيار وتحديثات البرامج والتكامل.

وبحلول منتصف العقد الحالي، أدى الانهيار الاقتصادي في فنزويلا، والذي تفاقم بسبب العقوبات الدولية وسوء الإدارة المزمن، إلى تدهور قدرتها على صيانة هذه الأنظمة بشكل كبير.

وأشارت تقارير من خبراء غربيين وروس على حد سواء إلى أن العديد من وحدات الدفاع الجوي الفنزويلية كانت تعمل جزئيًا فقط، وقد تم إبقاء بعض الأنظمة قيد التشغيل عن طريق استخدام قطع غيار من أنظمة أخرى، في حين كانت جداول الصيانة غير منتظمة أو معدومة.

وتراجعت وعود روسيا بالتحديث والدعم اللازم للإصلاح بشكل متزايد مع تغير أولويات موسكو الاستراتيجية واستنزاف مواردها.

تزامن هذا التدهور مع تراجع تدريجي في انخراط روسيا مع فنزويلا. ورغم أن مادورو طلب، بحسب التقارير، دعمًا عسكريًا إضافيًا من روسيا والصين في أواخر عام 2025، وسط تزايد النشاط العسكري الأمريكي في منطقة الكاريبي، إلا أن استجابة موسكو بدت محدودة.

فبينما واصلت الصين تقديم أنظمة الرادار وغيرها من أشكال التعاون، لم يُبدِ أيٌّ من الطرفين الرغبة أو القدرة على استعادة جاهزية الدفاع الجوي الفنزويلي بشكل جذري.

وكانت النتيجة نظامًا بدا مهيبًا في الاستعراضات والخطابات، ولكنه كان يعاني من ثغرات عميقة على المستوى العملياتي.

استغلت العملية الأمريكية هذه الثغرات من خلال حملة متعددة المجالات، مُخطط لها بدقة، جمعت بين الحرب السيبرانية والحرب الإلكترونية وعمليات الاستخبارات والضربات الحركية الدقيقة.

بحسب الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، شاركت أكثر من 150 طائرة من مختلف الأنواع في العملية ليلة 3 يناير 2026. وشملت هذه الطائرات مقاتلات شبحية من الجيل الخامس مثل إف-22 وإف-35، ومنصات حرب إلكترونية، وطائرات مسيرة، وقاذفات، ومروحيات.

وأكد حجم وتنوع هذه القوة على الأهمية التي توليها واشنطن لتحقيق سيطرة سريعة وكاملة على المجال الجوي فوق كاراكاس.

بدأت العملية بهجوم إلكتروني عطّل جزءًا كبيرًا من شبكة الكهرباء في كاراكاس، وبينما كان الأثر المدني فوريًا وشديدًا، كان الهدف العسكري الرئيسي هو إضعاف البنية التحتية للقيادة والسيطرة والاتصالات في فنزويلا.

تعتمد أنظمة الدفاع الجوي الحديثة اعتمادًا كبيرًا على الطاقة الموثوقة وتدفق البيانات المركزي لتنسيق تغطية الرادار، وتحديد الأهداف، وتخصيص الطائرات الاعتراضية.

ومن خلال شلّ هذه الشبكات، نجح المخططون الأمريكيون في تفتيت الدفاع الجوي الفنزويلي، وعزل الوحدات الفردية ومنعها من العمل كوحدة متكاملة.

ومع تعطل القيادة والسيطرة، بدأت الطائرات الأمريكية بالاقتراب من المجال الجوي الفنزويلي في ظروف تُفضّل التخفي والمباغتة، وقد مكّن مزيج انقطاع التيار الكهربائي والتشويش الإلكتروني والطائرات المُراوغة للرادار القوات الأمريكية من التقدم بأقل قدر من الرصد.

ووفقًا لتقارير صحيفة واشنطن بوست، استُهدفت ست منشآت دفاع جوي رئيسية على الأقل حول كاراكاس لتأمين ممر جوي إلى العاصمة.

وشملت هذه الدفاعات مواقع بالقرب من ميناء لا غوايرا، وقاعدة لا كارلوتا الجوية، والمجمع العسكري المترامي الأطراف في فورتي تيونا، والذي يعمل كمركز رئيسي للقوات المسلحة الفنزويلية.

كشفت صور الأقمار الصناعية الملتقطة بعد العملية بفترة وجيزة عن أضرار جسيمة في هذه المواقع، فقد ظهرت مركبات مدمرة، ومنشآت رادار معطلة، وبقايا منصات إطلاق صواريخ بوك في لا كارلوتا وفورتي تيونا.

تناقضت هذه الصور مع سنوات من الخطاب الرسمي، وأبرزت الفجوة بين القوة المتصورة للدفاعات الفنزويلية وحالتها الفعلية.

ما رُوِّج له كدرع متعدد الطبقات ومتين، أثبت عجزه عن الصمود أمام هجوم منسق لم يستهدف الأصول المادية فحسب، بل استهدف أيضًا أنظمة المعلومات التي تدعمها.

لعبت الطائرات الشبحية دورًا حاسمًا في هذه المرحلة من العملية، صُممت مقاتلات الجيل الخامس، مثل إف-22 وإف-35، لتقليل رصدها بالرادار، مما يجعلها أهدافًا بالغة الصعوبة للعديد من أنظمة الدفاع الجوي الحالية.

وأشار المحلل العسكري الروسي يوري فيودوروف إلى أن حتى الأنظمة المتقدمة مثل إس-400 قد تواجه صعوبة في مواجهة هذه الطائرات في ظروف معينة.

وواجهت فنزويلا، التي اعتمدت على أنظمة أقدم مثل نسخ بوك وبانتسير تحديات أكبر، عندما اقترن ذلك بالحرب الإلكترونية التي أدت إلى تدهور أداء الرادار والمعلومات الاستخباراتية الآنية التي وجهت قرارات الاستهداف، أصبحت الميزة التي تتمتع بها القوات الأمريكية ساحقة.

أدت الحرب الإلكترونية إلى مزيد من تآكل ما تبقى من القدرات الدفاعية لفنزويلا، فمن خلال التشويش على إشارات الرادار، وتعطيل الاتصالات، وبث بيانات مضللة في شبكات العدو، تمكنت القوات الأمريكية من إعاقة وحدات الدفاع الجوي العاملة.

وأكد محللون غربيون أنه لا يمكن لأي نظام دفاع جوي، مهما بلغت مواصفاته التقنية، أن يعمل بكفاءة عند حرمانه من المعلومات الدقيقة والتنسيق. وفي كاراكاس، حدث هذا الانهيار المعلوماتي بسرعة، مما جعل بطاريات الصواريخ الفردية عاجزة عن رصد التهديدات القادمة أو تتبعها أو التصدي لها بفعالية.

كما لعبت التضاريس دورًا حاسمًا، فكاراكاس محاطة بجبال وعرة وتضاريس معقدة تخلق نقاطًا عمياء طبيعية لتغطية الرادار.

وقد صُممت العديد من أنظمة الدفاع الجوي الروسية خصيصًا للتضاريس المستوية، حيث تكون آفاق الرادار أكثر قابلية للتنبؤ، أما في البيئات الجبلية، فيمكن للطائرات والصواريخ الجوالة التي تحلق على ارتفاعات منخفضة استغلال الوديان والتضاريس للتخفي عن الرادار حتى اللحظات الأخيرة من الهجوم.

وقد أشار محللون استشهدت بهم صحيفة التلغراف إلى أن الطائرات الأمريكية استغلت هذه الظروف استغلالًا كاملًا، حيث حلقت على ارتفاعات منخفضة واستخدمت التضاريس لإخفاء اقترابها.

على الرغم من هذه العوامل التقنية والبيئية، أكد العديد من الخبراء أن الإخفاقات البشرية والتنظيمية كانت حاسمة بنفس القدر.

فقد أدت سنوات من المصاعب الاقتصادية إلى تآكل الروح المعنوية والتدريب والجاهزية داخل القوات المسلحة الفنزويلية.

ويتطلب الحفاظ على مستويات تأهب عالية جهدًا وموارد وانضباطًا مستمرًا، وهي أمور أصبحت نادرة على نحو متزايد.

جادل يوري فيودوروف بأن القوات الفنزويلية قد استكانت، مفترضةً أن هجومًا أمريكيًا فعليًا غير مرجح على الرغم من سنوات من الخطاب العدائي.

وقد أثبت هذا الافتراض أنه قاتل. ففي تقييمه، لم يكن فشل الدفاع الجوي الفنزويلي ناتجًا عن القيود المتأصلة في الأنظمة الروسية بقدر ما كان ناتجًا عن عجز المشغلين الفنزويليين عن الحفاظ على جاهزيتهم الكاملة لهجوم مفاجئ ومنسق.

وقد زاد اختراق المعلومات الاستخباراتية من حدة هذه الثغرات، إذ يُقال إن وكالات الاستخبارات الأمريكية، بما في ذلك وكالة المخابرات المركزية ووكالة استخبارات الدفاع، لعبت دورًا رئيسيًا في تحديد نقاط الضعف داخل شبكة الدفاع الفنزويلية.

ومن المرجح أن هذه الجهود قد وفرت معلومات تفصيلية حول موقع وحدات الدفاع الجوي وجاهزيتها وإجراءات تشغيلها، فضلًا عن فهم الاختلالات الداخلية.

في بعض الحالات، ربما يكون “العمل الداخلي” – وهو تعبير ملطف عن التعاون أو المساعدة من الداخل – قد أدى إلى تأخير الاستجابات أو تخريب الأنظمة في لحظات حاسمة، وبينما تبقى التفاصيل سرية، فإن سرعة العملية ودقتها تشيران بقوة إلى مستوى عالٍ من التحضير الاستخباراتي المسبق.

استغرقت العملية بأكملها ساعتين تقريبًا، وخلالها، سيطرت القوات الأمريكية على المجال الجوي بشكل كافٍ سمح لوحدات العمليات الخاصة بالتوغل في كاراكاس واعتقال نيكولاس مادورو.

وقُدِّم عدم الإبلاغ عن أي إصابات في صفوف القوات الأمريكية كدليل على فعالية العملية ودقتها، من وجهة نظر واشنطن، قلّل تحييد الدفاعات الجوية بسرعة من خطر التصعيد والأضرار الجانبية، حتى مع إثارته تساؤلات سياسية وقانونية عميقة على الساحة الدولية.

أما بالنسبة لروسيا، فقد مثّلت الأحداث في فنزويلا إحراجًا كبيرًا، وانتشرت صور منصات إطلاق صواريخ بوك المدمرة وأنظمة بانتسير المعطلة على نطاق واسع، مما أدى إلى إعادة التدقيق في صادرات الدفاع الجوي الروسية.

وبينما أكد الخبراء الروس أن سوء الصيانة ونقص قطع الغيار والخطأ البشري عوامل حاسمة، إلا أن الحادثة عززت المخاوف لدى العملاء الحاليين والمحتملين بشأن أداء هذه الأنظمة في الواقع.

وفي الوقت نفسه، حذّر العديد من المحللين من التبسيط المفرط في الاستنتاجات، لا تعمل أنظمة الدفاع الجوي بمعزل عن بعضها، وتعتمد فعاليتها على التكامل والتدريب والعقيدة وطبيعة التهديد الذي تواجهه، وفي حالة فنزويلا، تعرضت جميع هذه العناصر للاختراق.

تتجاوز تداعيات العملية حدود فنزويلا. فبالنسبة للجيوش اللاتينية الأمريكية، شكّل انهيار شبكة دفاع جوي متطورة للغاية عبرةً بالغة الأهمية.

فقد أظهر أن اقتناء المعدات المتطورة ليس كافيًا؛ فبدون استثمار مستدام في الصيانة والتدريب والتكامل، حتى الأنظمة المتطورة قد تصبح مجرد رموز جوفاء للقوة.

وعلى الصعيد الاستراتيجي، أبرزت العملية تراجع النفوذ الروسي في أجزاء من المنطقة، وأكدت التحديات التي تواجهها الدول التي تعتمد بشكل كبير على المساعدات العسكرية الخارجية دون ضمان جاهزية عملياتية طويلة الأمد.

وعلى الصعيد العقائدي، جسّدت أحداث يناير 2026 تطور الحرب الجوية، فلم يعد قمع الدفاعات الجوية المعادية الحديث يقتصر على التدمير المادي لمواقع الرادار والصواريخ، بل يشمل الهجمات السيبرانية على البنية التحتية، والحرب الإلكترونية ضد أجهزة الاستشعار والاتصالات، وعمليات الاستخبارات التي تستغل نقاط الضعف الداخلية، والضربات الدقيقة الموجهة ببيانات آنية.

وبات التحكم في المجال الجوي مسألة هيمنة معلوماتية متزايدة الأهمية، أي القدرة على الرؤية واتخاذ القرار والتصرف أسرع من الخصم.