
أصبحت أستراليا أغنى بمقدار 4.5 تريليون جنيه إسترليني ما يعادل 6 تريليون دولار أمريكي بين عشية وضحاها بعد اكتشافها أكبر رواسب الحديد في العالم.
في اكتشاف جيولوجي وُصف بالأهم منذ عقود، أعلنت أستراليا عن العثور على أكبر ترسّب للحديد عالي الجودة في العالم، في عمق منطقة نائية بغرب البلاد، ما يضع الاقتصاد العالمي أمام تحولات محتملة في أسواق التعدين والصلب والطاقة.
الاكتشاف الجديد كان مخفيًا تحت أراضي أستراليا الغربية، وتحديدًا في إقليم هامرزلي، وهو موقع معروف تاريخيًا بالتعدين، لكنه لم يُقدَّر بهذه الضخامة من قبل.
وبحسب تقديرات الباحثين، يحتوي الموقع على نحو 55 مليار طن متري من خام الحديد، بتركيز يتجاوز 60٪، أي ضعف النسب التي كانت تُقدَّر سابقًا.
من حيث القيمة الاقتصادية، يُقدَّر هذا الاكتشاف بما يقارب 6 تريليون دولار أمريكي، ما يجعل أستراليا أصلًا أكبر مصدّر لخام الحديد عالميًا في موقع هيمنة طويلة الأمد على السوق.
اللافت في هذا الاكتشاف أنه لم يكن نتيجة حفر جديد، بل ثمرة تقنيات تصوير وتحليل كيميائي ونظائري متقدمة أعادت قراءة طبقات جيولوجية معروفة منذ عقود.
هذه الأدوات كشفت أن عمر التكوينات الصخرية في المنطقة ليس 2.2 مليار سنة كما كان يُعتقد، بل أقرب إلى 1.4 مليار سنة، ما غيّر فهم العلماء لتاريخ تشكّل القشرة الأرضية.
الدراسة قادها فريق من جامعة كيرتن، ونُشرت في مجلة الأكاديمية الوطنية للعلوم، إحدى أعرق الدوريات العلمية في العالم.
البروفيسور المشارك مارتن دانيسيك، المتخصص في التأريخ الجيولوجي، أوضح أن هذا الاكتشاف لا يخص التعدين فقط، بل يفتح نافذة جديدة لفهم تاريخ الأرض نفسه.
قال البروفيسور المشارك في تعليق مباشر على نتائج الدراسة: «إن العثور على رابط بين هذه الترسبات الحديدية الهائلة والتغيرات في دورات القارات العظمى يمنحنا فهمًا جديدًا للعمليات الجيولوجية القديمة».
وفي تصريح آخر أدلى به عام 2024، أوضح دانيسيك البعد الأعمق للاكتشاف قائلًا: «ربط هذه الترسبات العملاقة بدورات القارات العظمى يمنحنا صورة أوضح عن كيفية تطور القشرة الأرضية، إن تحرك الكتل القارية واصطدامها قبل ملايين السنين هو على الأرجح ما خلق الظروف المناسبة لتراكم هذه الكميات الهائلة من الحديد».
وحول الإشكالية العلمية التي حيّرت الباحثين لعقود، قال: «حتى الآن، لم يكن الجدول الزمني الدقيق لتحول هذه التكوينات من خام يحتوي في الأصل على 30 في المئة من الحديد إلى أكثر من 60 في المئة كما هو اليوم واضحًا، وهو ما أعاق فهمنا للعمليات التي أدت إلى تشكّل أكبر ترسبات خام في العالم».
وأضاف موضحًا المنهجية العلمية الجديدة التي استخدمها الفريق: «من خلال استخدام تقنية ناشئة لتأريخ معادن أكسيد الحديد عبر تحليل نظائر اليورانيوم والرصاص داخل حبيبات المعدن نفسها، تمكّنا من تحديد العمر الزمني المباشر لجميع الترسبات العملاقة الرئيسية المستضافة داخل تكوينات الحديد الشريطي في إقليم هامرزلي».
وختم دانيسيك بالقول: «تشير أبحاثنا إلى أن هذه الترسبات تشكّلت بالتزامن مع أحداث تكتونية كبرى، ما يسلّط الضوء على الطبيعة الديناميكية لتاريخ كوكبنا وعلى التعقيد الكبير في عمليات تمعدن خام الحديد».
اقتصاديًا، لا يمكن النظر إلى هذا الاكتشاف كخبر محلي يخص أستراليا وحدها، فزيادة بهذا الحجم في احتياطي خام الحديد عالي الجودة تعني عمليًا توسيع الإمدادات العالمية لعقود مقبلة، وهو ما قد يفرض ضغوطًا تدريجية على الأسعار، ويعيد رسم خريطة إنتاج الصلب عالميًا، ويمنح أستراليا نفوذًا تفاوضيًا غير مسبوق في علاقاتها التجارية مع كبار المستوردين، وعلى رأسهم الصين.
غير أن التأثير لا يتوقف عند السوق. فوفق الفريق العلمي، فإن التقنيات المستخدمة في هذا الاكتشاف تحمل بعدًا بيئيًا لا يقل أهمية عن العائد المالي، وهو ما أكدت عليه الباحثة كورتني-ديفيس بقولها: «الأمر لا يتعلق بالعلم فقط، هذه التقنيات يمكن أن تجعل عمليات التعدين أنظف، وأقل هدرًا، وأكثر مسؤولية من الناحية البيئية».
يتوقع أن يضيف هذا الاكتشاف 6 تريليون دولار أمريكي إلى اقتصاد أستراليا البالغ 1.85 تريليون دولار بنهاية 2025 والذي يعد من أكبر اقتصادات العالم.
