
تثير سلسلة تسريبات بشار الأسد مع لونا الشبل التي بثّتها قناتا “العربية” و“الحدث” خلال الساعات الماضية اهتماماً واسعاً في الأوساط السورية والعربية، ليس فقط لأنها تكشف مشاهد غير مألوفة لرئيسٍ اعتاد الظهور في إطار بروتوكولي صارم، بل لأنها تفتح نافذة على اللغة الحقيقية التي كان يتحدّث بها رأس النظام مع أقرب مستشاريه، وفي مقدمتهم لونا الشبل.
التسريبات، التي صُوّرت بهاتف محمول داخل السيارة الرئاسية وخلال جولات ميدانية في الغوطة ومحيط دمشق عام 2018 تقريباً، خرجت إلى العلن بعد سقوط النظام في دمشق أواخر 2024، لتتحوّل إلى وثيقة سياسية وأخلاقية تكمّل صورة السنوات الأكثر دموية في تاريخ سوريا المعاصر.
المقاطع المصوّرة تقدّم بشار الأسد بعيداً عن المنابر الرسمية، رئيساً يطلق الشتائم على مناطق مدمَّرة، ويسخر من الجنود الذين قبّلوا يده، وينتقد وزير الداخلية والشرطة، ويعبّر عن شعوره بـ“القرف” من وضع البلاد، ويتندّر حتى على اسم عائلته، بينما تظهر إلى جانبه لونا الشبل في موقع “الشريكة” في المزاح والتعليق وصياغة الرواية الإعلامية.
فيما يلي قراءة صحفية موسَّعة لأبرز ما كشفته تسريبات بشار الأسد مع لونا الشبل، ودلالاتها على بنية النظام وطبيعة علاقته بالمجتمع والحلفاء.
مصدر تسريبات بشار الأسد مع لونا الشبل
تظهر تسريبات بشار الأسد في شكل مقاطع فيديو متقطعة، التُقط معظمها من داخل سيارة يقودها الأسد بنفسه أثناء جولة في الغوطة ومحيط دمشق، بحضور لونا الشبل وأفراد من الحراسة والمساعدين.
بحسب ما عُرض في التقارير التلفزيونية، فإن هذه اللقطات كانت محفوظة على أجهزة تعود للونا الشبل أو لمقربين منها، قبل أن تصل إلى وسائل الإعلام بعد انهيار المنظومة الأمنية وخروج كثير من الأرشيف السري إلى العلن.
هذه التسريبات يبدو أنها من تصوير بكاميرا هاتف، بصوت الطريق والمرافقة الأمنية في الخلفية، بعيداً عن أي إعداد مسبق وتتضمن حوارات عفوية لا تمر عبر “مونتاج” التلفزيون الرسمي ولا تخضع لرقابة وزارة الإعلام أو أجهزة الأمن.
بهذا المعنى، تبدو تسريبات بشار الأسد أقرب إلى “يوميات خاصة لرئيسٍ في سيارته”، أكثر منها إلى مادة دعائية، الأمر الذي منحها مصداقية إضافية في أعين الكثير من المتابعين.
بشار الأسد يشتم الغوطة الشرقية
أحد أبرز المقاطع التي أثارت جدلاً واسعاً، هو ذلك الذي يظهر فيه الأسد وهو يجول بسيارته في الغوطة الشرقية، بعد أن كانت المنطقة قد خرجت من حصار طويل شهد مجازر وقصفاً عنيفاً ونزوحاً واسعاً.
في هذا المقطع تُسمع عبارات منسوبة له من قبيل شتم الغوطة بعمومها، والتعامل مع المنطقة بوصفها عبئاً أو “مكاناً ينبغي التخلص منه”، في سياق مزاح وضحك داخل السيارة.
تظهر الغوطة في حديث الأسد ليس باعتبارها مساحة عاش فيها مدنيون حوصروا وقُصفوا لسنوات، بل كإسم يُختزل في شتيمة واحدة، الأمر الذي يعكس طريقة النظر إلى المناطق الخارجة عن سيطرة النظام.
تتقاطع لغة التسريب مع المكانة التي اكتسبها شعار “الأسد أو نحرق البلد” خلال سنوات الحرب، فالمستوى الشعبي من الهتاف يجد ما يوازيه في مستوى الخطاب الخاص داخل الحلقة الضيقة.
بالنسبة للناجين من حصار الغوطة ومجازرها، جاءت تسريبات بشار الأسد بمثابة تأكيد مصوَّر على أن ما اعتبروه “سياسات ممنهجة للإبادة والتهجير” لم يكن مجرد نتائج للحرب، بل جزءاً من نظرة سياسية وأخلاقية عدائية تجاه المنطقة وسكّانها.
بشار الأسد يسخر من جنوده
في تسريب آخر، تتناول اللقطات مشهداً سبق أن بثه الإعلام الرسمي، يظهر فيه جنود وهم يقبّلون يد الأسد في أحد اللقاءات الميدانية.
في الخطاب الرسمي، قدّمت هذه المشاهد بوصفها دليلاً على “حب الجنود لقائدهم”، غير أن تسريبات بشار الأسد تكشف أن الرئيس ومستشارته كانا يتعاملان مع هذه اللقطات بنبرة مختلفة تماماً ألا وهي سخرية وتعليقات ساخرة على طريقة الانحناء وتقبيل اليد، ونبرة استخفاف تُسقط عن المشهد أي مسحة من “الهيبة” التي حاول الإعلام إضفاءها عليه.
في لغة الصحافة، يمكن القول إن هذه اللقطات تعكس فجوة عميقة بين صورة الجنود في الخطاب العلني وصورتهم في الخطاب الداخلي؛ فهم في النهاية جزء من ديكور السلطة، لا شركاء حقيقيون في القرار أو موضع احترام ثابت.
بشار الأسد ينتقد وزير الداخلية والشرطة
لا تتوقف دائرة السخرية عند الجنود، بل تمتد إلى مؤسسات يُفترض أنها تمثّل “هيبة الدولة”، وفي مقدمتها وزارة الداخلية وجهاز الشرطة.
في بعض المقاطع، تتحدّث لونا الشبل بنبرة ساخرة عن وزير الداخلية، مشيرة إلى ولعه بالظهور الإعلامي ونشر الأخبار عن نشاطات الشرطة على صفحات فيسبوك.
يشاركها الأسد هذا التندر، بما يوحي بأن رأس النظام نفسه لا يأخذ كثيراً من هذه “الإنجازات” على محمل الجد.
تُظهر تسريبات بشار الأسد أن شعار “دولة المؤسسات” الذي استُخدم طويلاً لتبرير القبضة الأمنية، لم يكن راسخاً حتى لدى القائمين على هذه الدولة.
المؤسسات، في هذه الحالة، تبدو أقرب إلى واجهة شكلية، بينما تظل السلطة الفعلية في يد الدائرة الأمنية والعائلية الضيقة.
بشار الأسد: “لا أشعر بالخجل فقط بل بالقرف”
في تسريب آخر، تتوجه لونا الشبل بسؤال إلى الأسد عن شعوره عندما يرى صوره منتشرة في شوارع سوريا.
يأتي الجواب، وفق ما نُقل في التقارير، بأن تلك الصور لم تعد تثير لديه شعوراً خاصاً، قبل أن ينتقل إلى الحديث عن وضع البلاد، قائلاً إنه لا يشعر بالخجل فقط، بل بـ“القرف” من الحالة التي وصلت إليها سوريا.
استخدام تعبير “القرف” يعكس إدراكاً لحجم الانهيار الذي عاشته البلاد على صعد متعددة: تدمير مدن، نزوح ملايين، انهيار اقتصادي، تفكك اجتماعي.
في الوقت نفسه، لا تتضمّن تسريبات بشار الأسد أي إشارة إلى تحمّل المسؤولية السياسية عن هذا الإنهيار، فالمتحدث يظهر كمتفرّج ساخط على مشهد لم يكن طرفاً في صنعه، لا كصاحب قرار قاد البلاد إلى هذه النهايات.
بهذا المعنى، يقدّم التسريب نموذجاً لـ“الاعتراف الخالي من التوبة”، حيث يُقرّ النظام بالنتيجة، لكنه يرفض الاعتراف بالجذر السياسي الذي قاد إليها.
بشار الأسد يسخر من اسم عائلته
من أكثر المقاطع تداولاً، ذلك الذي تتناول فيه لونا الشبل لقب “الأسد”، في سياق مزاح مع الرئيس حول عناوين إعلامية من نوع “أسد الدبلوماسية” و“نمر قاسيون”.
في إحدى اللحظات، يتحدّث الحوار عن إمكان “تغيير الكنية”، ويتعامل الأسد مع الفكرة بنبرة لا تخلو من المزاح والاستعداد للمضي فيها، في إشارة إلى أن اسم العائلة لم يعد يحمل بالنسبة إليه القدسية التي حاول النظام بناءها منذ عهد حافظ الأسد.
لقد تحول لقب “الأسد”، الذي جرى توظيفه لعقود في بناء صورة “القائد التاريخي” و“الأسرة الحاكمة”، إلى موضوع نكتة داخلية.
علاقة لونا المتدهورة مع ايران وحزب الله
لا تغيب الملفات الإقليمية عن التسريبات، في بعض المقاطع، يظهر حديث جانبي عن حزب الله والحرس الثوري الإيراني، بما في ذلك ملاحظات على كثافة حضور حواجز هذه القوى في بعض المناطق، أو التعليق على “تراجع الضجيج الإعلامي” للحزب مقارنة بسنوات سابقة.
ويبدو أن لونا كانت ضد حزب الله وإيران وتنظر إلى التحالف معهم مؤقت وليس مصيريا، وهذا يتطابق مع تسريبات سابقة تؤكد أن لونا محسوبة أكثر على روسيا وتعارض إيران في سوريا.
لا تقتصر أهمية هذه التسريبات على ما تكشفه عن الرئيس السابق، بل تمتد إلى إعادة تسليط الضوء على شخصية لونا الشبل نفسها.
فالمستشارة التي عُرفت كوجه إعلامي صارم في الدفاع عن النظام، تظهر في تسريبات بشار الأسد في موقع مختلف.
لاحقاً، ومع إعلان مقتلها في “حادث سير” أواخر 2024 في ظروف وُصفت بأنها “غامضة”، اكتسبت هذه التسريبات بعداً إضافياً؛ إذ ربط كثيرون بين موقعها داخل الحلقة الضيقة، وما عُرض من أشرطة تحتفظ فيها بأحاديث خاصة مع الرئيس، والظروف التي أحاطت برحيلها المفاجئ.
من الناحية الصحفية، يمكن القول إن لونا الشبل انتقلت بعد هذه التسريبات من خانة “المستشارة الإعلامية” إلى خانة “الشاهد الداخلي على عقل السلطة”.
