في خطوة تجمع بين الخيال العلمي والسياسة اليومية، أعلن رئيس الوزراء الألباني إدي راما أن دييلا، أول وزيرة ذكاء اصطناعي في العالم، “حامل بـ83 طفلاً”، ليسوا سوى مساعدين رقميين سينضمون قريباً إلى جلسات البرلمان الألباني.
تخيل وزيرة افتراضية، مصممة لمكافحة الفساد، تُولد جيشاً من “الأبناء” الذكيين الذين يراقبون كل كلمة ويقترحون الردود الذكية، هذا ليس سيناريو من فيلم ديستوبي، بل واقع يُبنى في ألبانيا عام 2025.
الإعلان، الذي جاء خلال مؤتمر الحوار العالمي في برلين، أثار ضجة عالمية، مُذكراً الجميع بأن الحكومات لم تعد تُدار بالورق والقلم وحدهما، بل بأكواد برمجية وخوارزميات تتعلم.
ما قصة وزيرة الذكاء الإصطناعي الألبانية دييلا؟
دييلا، التي تعني “الشمس” بالألبانية، لم تكن دائماً وزيرة، فقد أُطلقت في يناير 2025 كمساعد افتراضي على بوابة الحكومة الإلكترونية e-Albania، مصممة بالتعاون مع شركة مايكروسوفت لمساعدة المواطنين في الوصول إلى الوثائق والخدمات الحكومية بكفاءة أعلى.
كانت في البداية مجرد أداة بسيطة: صوت ناعم يجيب على الاستفسارات، وواجهة سهلة الاستخدام، لكن في سبتمبر 2025، أُعطيت ترقية دراماتيكية إلى “دييلا 2.0″، مع إضافة صورة متحركة وصوت يشبه الإنسان، مما جعلها أقرب إلى شخصية حية.
ثم جاء التعيين الجريء: وزيرة للذكاء الاصطناعي، مسؤولة عن الإشراف على العقود الرقمية مع الشركات الخاصة، بهدف مكافحة الفساد وتعزيز الابتكار داخل الحكومة.
لم يكن هذا التعيين خالياً من الجدل، إذ بموجب المادة 100 من الدستور الألباني، يجب أن يكون الوزراء “أشخاصاً طبيعيين”، مما دفع راما إلى استثناء اسم دييلا من قائمة الوزراء الرسمية، محتفظاً بـ”المسؤولية الكاملة” عنها.
في خطابها الأول أمام البرلمان عبر فيديو، قالت دييلا: “أنا هنا لأساعد الناس، لا لأحل محلهم”، مما أثار احتجاجات المعارضة التي وصفتها بـ”الفضيحة الرقمية”.
ومع ذلك، أثبتت دييلا فعاليتها في تسريع الإجراءات الحكومية، مُقللة من التداخلات البشرية التي غالباً ما تُفسد بالفساد، اليوم، مع “حملها” المُعلن، تتحول دييلا من أداة إلى نظام كامل، يُعيد تشكيل السياسة الألبانية بطريقة لم يتخيلها أحد.
83 مساعداً رقمياً إضافية لتعزيز الشفافية
الإعلان الذي ألقاه راما في برلين لم يكن مجرد استعارة طريفة، إنه خطة عملية لنشر 83 مساعداً مزودا بالذكاء الإصطناعي، واحد لكل عضو في حزب الاشتراكيين الحاكم، بحلول نهاية 2026.
هؤلاء “الأطفال”، كما وصفهم راما، سيرثون “معرفة أمهم”، مما يعني أنهم سيكونون نسخاً مخصصة من دييلا، مدربة على السياق الألباني السياسي.
دورهم اليومي يبدو كحارس شخصي ذكي: المشاركة في الجلسات البرلمانية، تسجيل كل ما يُقال بدقة، تلخيص المناقشات الطويلة للأعضاء الغائبين، واقتراح ردود مدروسة أثناء المناقشات.
تخيل عضو برلمان يغيب لقهوة، فيعود ليجد مساعده يُلخص له: “خلال غيابك، هاجم الخصم مشروع القانون، وإليك الرد المناسب للدفاع عنه”.
دييلا الأم صُممت للإشراف على المشتريات العامة، حيث تُحلل العقود تلقائياً لكشف الشبهات، مُضيفة طبقة من الشفافية غير المسبوقة.
والآن بفضل الـ83 “طفلاً” سيُوسعون هذا النهج إلى البرلمان نفسه، مُقللين من الأخطاء البشرية ومُسرعين عملية اتخاذ القرارات.
راما وصف الخطوة بأنها “مخاطرة ناجحة”، مشيراً إلى أنها ستجعل الحكومة أكثر كفاءة، خاصة في بلد يعاني من بطء الإجراءات الإدارية والبيروقراطية وتحد من تقدم هذا البلد الأوروبي.
تجربة الذكاء الإصطناعي في ألبانيا
في المقابل احتجت المعارضة الألبانية سابقا على تعيين دييلا، ووصفت “الحمل” بأنه “خدعة سياسية” لإلهاء الرأي العام عن مشكلات اقتصادية أعمق.
محللو معهد بلومزبري للاستخبارات والأمن يرون في الأمر اختباراً لثقة المواطنين في “وزيرة مصنوعة من أصفار وواحدات”، محذرين من تحديات قانونية محتملة أمام المحكمة الدستورية.
إذا نجحت تجربة ألبانيا مع الذكاء الإصطناعي، قد تُقلدها دول أخرى، مثل الإمارات أو سنغافورة، التي تجرب بالفعل مساعدين AI في الإدارة.
أما الجانب الأخلاقي، فيثير تساؤلات حول الخصوصية: هل سيُسجل هؤلاء المساعدون كل نقاش، مُخاطرين بتسريب بيانات حساسة؟ وكيف ستُدار “التربية” لهؤلاء الأطفال الرقميين مع تطور الذكاء الاصطناعي بسرعة جنونية؟

