
في تصعيد غير مسبوق داخل التيار السلفي نفسه، فجّر الداعية المصري هيثم طلعت موجة جدل واسعة بعد نشره منشورًا مطولًا على فيسبوك هاجم فيه الصفحات الذكورية والريدبيل المنتشرة على فيسبوك، متهماً إياها بأنها لا تحارب النسوية كما تزعم، بل تخدم عمليًا مشروعًا أخطر يتمثل في تفكيك الأسرة وزرع العداء بين الرجال والنساء داخل المجتمع المسلم.
وقال طلعت إن هذه الصفحات، التي ظهرت في الأصل كـ”رد فعل على النسوية”، تحولت بحسب تعبيره إلى منصات تحريضية تتهم غالبية النساء بالفجور، وتبني خطابًا عامًا قائمًا على التعميم والاتهام، وهو ما ينعكس سلبًا على استقرار الأسرة.
واتهم طلعت الصفحات الذكورية بأنها تلتقي عمليًا مع النسوية الراديكالية في النتائج، رغم اختلاف الشعارات، معتبرًا أن الطرفين يساهمان في تفكيك الأسرة ونشر الشك والعداء بين الجنسين، ما يؤدي إلى عزوف الشباب عن الزواج وتراجع معدلات الاستقرار الأسري.
وأضاف أن الخطاب الذكوري المتداول على فيسبوك لا يعكس الواقع الاجتماعي، مؤكدًا أن “غالبية النساء يقدمن مصلحة الأسرة وتربية الأبناء على حساب رغباتهن الشخصية”.
وأشار الداعية المصري إلى أن بعض الصفحات الذكورية تتبنى أفكارًا مستوردة من مدارس نفسية واجتماعية غربية، ثم تعيد تقديمها للشباب المسلم دون تمحيص، على أنها “الذكورة الصحيحة”، رغم تعارضها – بحسب قوله – مع القيم الإسلامية.
وشدد على أن معيار “الرجولة” في الإسلام لا يقوم على القسوة أو السيطرة، بل على حسن المعاملة والمسؤولية داخل الأسرة.
واستشهد طلعت بعدد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تحث على حسن معاملة المرأة، مؤكدًا أن الإسلام ينظر إلى المرأة باعتبارها شريكًا كامل الحقوق، وليس خصمًا أو طرفًا أدنى.
وقال طلعت إن هذه الصفحات “تحولت للأسف إلى ذئاب خاطفة، تزهد الشباب المسلم في الزواج، وتتهم أغلب النساء بالفجور مضيفًا أن خطابها القائم على التعميم والشيطنة لا يعكس الواقع الاجتماعي للمرأة، ولا ينسجم مع القيم الإسلامية التي يدّعي أصحاب هذه الصفحات الدفاع عنها.
وفي أحد أكثر مقاطع المنشور إثارة للجدل، اعتبر طلعت أن الصفحات الذكورية والنسوية الراديكالية – رغم التناقض الظاهري – تلتقيان في النتائج النهائية، قائلاً: “فاجتمعت النسويات والصفحات الذكورية على اللي عاوزه الشيطان بالضبط: قطع النسل والتحريش بيننا”.
ويرى طلعت أن الخطابين يسهمان عمليًا في خلق حالة عداء دائم بين الرجال والنساء، تؤدي إلى عزوف الشباب عن الزواج، وتراجع الاستقرار الأسري داخل المجتمعات العربية.
وانتقد الداعية المصري الصورة التي تروجها الصفحات الذكورية عن النساء، قائلاً: “الغريبة أن جميع الستات في منظور الصفحات دي عايشين تقافز القردة، ودا والله بهتان وإفك مبين حتى على المستوى الاجتماعي”.
وأشار إلى أن الواقع الاجتماعي يناقض هذه الصورة، متسائلًا: “كيف تقعد أغلب النساء على أولادها بعد وفاة زوجها عشان تربيهم أحسن تربية؟ وكيف بتقدم أغلب الستات مصلحة البيت واستقراره على حساب رغباتها الشخصية؟”
ووجّه طلعت انتقادًا مباشرًا لما وصفه باستيراد بعض الصفحات الذكورية لأفكار غربية نفسية واجتماعية، ثم إعادة تقديمها داخل سياق ديني دون تمحيص، قائلاً: “الصفحات دي تبنت رؤية ذكورية غربية أشاعها بعض المحللين النفسيين في الغرب، فنقلها أهل قريتنا عشان يردوا على النسوية، وطبعا دون تمحيص أو عرض على الكتاب والسنة أو حتى على واقع ما نرى من نسائنا”.
وأكد أن مفهوم “الرجولة” في الإسلام بحسب طرحه يقوم على حسن المعاملة والمسؤولية داخل الأسرة، وليس على القسوة أو الهيمنة أو النرجسية.
رغم الانتشار الواسع للمنشور، أثار توصيف هيثم طلعت للنسوية بـ“الملحدة” انتقادات من متابعين وناشطين، اعتبروا أن هذا التوصيف يحمل تعميمًا واسعًا يخلط بين اتجاهات متعددة داخل الحركة النسوية.
فالنسوية ليست تيارًا واحدًا متجانسًا، بل تضم مدارس واتجاهات فكرية مختلفة، منها الليبرالي، والحقوقي، والاجتماعي، وحتى النسويات المتدينات اللواتي يطرحن قراءات دينية إصلاحية لقضايا المرأة داخل الإسلام والمسيحية وغيرها من الأديان.
ويرى منتقدون أن اختزال النسوية في “الإلحاد” يضع جميع المدافعين عن حقوق المرأة في خانة أيديولوجية واحدة، وهو ما قد يعمّق الاستقطاب بدل فتح نقاش مجتمعي متوازن حول قضايا الأسرة، والعمل، والعنف الأسري، والتمييز القانوني، وغيرها من الملفات التي تمس واقع النساء بشكل مباشر.
يفتح منشور هيثم طلعت باب نقاش واسع داخل التيار الديني نفسه حول الخطاب الذكوري الرائج على مواقع التواصل الاجتماعي، وحدود “الرد على النسوية”، والفارق بين الدفاع عن القيم الأسرية، وبين التحول إلى خطاب إقصائي يزرع الشك والكراهية داخل المجتمع.
