في مساء 30 يناير 2026، وبعد أسابيع من الصعود التاريخي الذي أوصل أسعار المعادن النفيسة إلى مستويات غير مسبوقة، تلقّى سوق الذهب والفضة ما يشبه «صفعة الواقع».
فقد سجّل المعدنان أكبر تراجع يومي منذ بداية موجة الصعود الحالية، في حركة تصحيحية حادة أعادت التذكير بأن الأسواق، مهما بدت قوية، لا تصعد إلى ما لا نهاية.
هذا التراجع لم يكن حدثًا تقنيًا عابرًا، بل جاء نتيجة تداخل عدة عوامل في وقت واحد، أبرزها جني الأرباح، عودة قوة الدولار الأمريكي، وتصاعد القلق في الأسواق بشأن مسار السياسة النقدية الأمريكية.
تراجع ملحوظ في سعر الذهب بعد قمم تاريخية
خلال الأيام السابقة، كان الذهب قد حلق فوق مستوى 5500 دولار للأونصة، مدفوعًا بتصاعد التوترات الجيوسياسية، وتوقعات خفض أسعار الفائدة، إضافة إلى تدفقات ضخمة نحو صناديق الاستثمار المتداولة المدعومة بالذهب.
هذه العوامل خلقت حالة من التفاؤل المفرط دفعت الأسعار إلى مستويات اعتبرها كثير من المحللين مبالغًا فيها على المدى القصير.
لكن في 30 يناير، بدأ الاتجاه المعاكس بوضوح. فقد تراجع سعر الذهب خلال ساعات المساء إلى محيط 5000 دولار للأونصة، بل وانخفض مؤقتًا إلى ما دون هذا المستوى، مسجلًا خسارة تراوحت بين 6 و8 في المئة مقارنة بالقمم الأخيرة.
ويرى مراقبو السوق أن هذا التراجع ناتج عن مزيج من جني الأرباح بعد صعود حاد وسريع، وتعزز الدولار الأمريكي، إضافة إلى إعادة تسعير توقعات أسعار الفائدة في الولايات المتحدة باتجاه قدر أكبر من الحذر. كما ساهم فك مراكز المضاربة عالية الرافعة في سوق العقود الآجلة في تعميق الضغط البيعي مع تسارع الهبوط.
الفضة تتلقى الضربة الأقسى
إذا كان الذهب قد تراجع بقوة، فإن الفضة كانت الخاسر الأكبر. فبعد أن تجاوز سعرها 110 دولارات للأونصة في الأيام الماضية، تعرضت الفضة لانخفاض حاد بلغ نحو 13 في المئة خلال يوم واحد فقط.
وبحلول ساعات المساء، كانت الأسعار تتذبذب حول مستوى 100 دولار للأونصة أو أقل بقليل، وفق بيانات التداول اللحظية.
عدة وسائل إعلام اقتصادية وصفت ما حدث بأنه أحد أعنف التراجعات في سوق المعادن النفيسة خلال السنوات الأخيرة.
ويُعزى ذلك إلى طبيعة الفضة نفسها، التي تُعرف تاريخيًا بأنها أكثر تقلبًا من الذهب، وغالبًا ما تتحرك كنسخة عالية الحساسية من سوق الذهب.
ويشير متداولون إلى أن جزءًا كبيرًا من المراكز المضاربية في الفضة كان قد حقق أرباحًا ضخمة خلال موجة الصعود القياسية، ما جعلها هدفًا أوليًا لعمليات جني الأرباح بمجرد ظهور أول إشارة ضعف في السوق.
حين تعود الأسواق لاكتشاف «الجاذبية»
يصف محللون ما حدث بأنه لحظة أعادت فيها أسواق المعادن النفيسة اكتشاف «قانون الجاذبية». فبعد الارتفاع السريع، كانت مؤشرات التقييم والمعنويات في مستويات تفاؤل قصوى، وهي بيئة تجعل أي سوق عرضة لتصحيح مفاجئ وعنيف.
إلى جانب العوامل الفنية، لعبت المتغيرات الاقتصادية الكلية دورًا مهمًا في هذا التحول، فقد عاد الدولار الأمريكي إلى الارتفاع مدعومًا بزيادة طفيفة في عوائد السندات، ما جعل الذهب والفضة أكثر كلفة بالنسبة للمستثمرين خارج الولايات المتحدة.
وفي الوقت نفسه، بدأت الأسواق تسعّر سيناريو أقل عدوانية فيما يتعلق بخفض أسعار الفائدة خلال عام 2026، عقب تصريحات أكثر تحفظًا من مسؤولي البنوك المركزية.
كما فضّل بعض المستثمرين تقليص المخاطر في محافظهم، مستغلين المكاسب الكبيرة التي تحققت، وتحويل جزء من الأرباح إلى السيولة النقدية أو السندات قصيرة الأجل.
أسهم التعدين تحت الضغط
لم يقتصر تأثير التصحيح على أسعار الذهب والفضة فحسب، بل امتد سريعًا إلى أسهم شركات التعدين والمنتجات المشتقة.
فقد سجلت شركات إنتاج الذهب والفضة الكبرى وصناديق المؤشرات المتداولة المرتبطة بها تراجعات ملحوظة، تجاوزت في بعض الحالات نسبة انخفاض المعدن نفسه.
الأسهم الأكثر تضررًا كانت تلك التي تعتمد بدرجة كبيرة على الرافعة التشغيلية أو المالية، إذ كان السوق قد بالغ في تسعيرها على أساس استمرار الصعود السريع للأسعار.
ومع ذلك، يشير محللون إلى أن هذه الخسائر اليومية الحادة لا تلغي حقيقة أن الأسعار، سواء للمعادن أو للأسهم المرتبطة بها، لا تزال أعلى بكثير من مستويات بداية العام، ما يعكس حجم الطفرة التي سبقت هذا التصحيح.
تصحيح مؤقت لأسعار الذهب والفضة؟
السؤال المطروح الآن في أوساط المستثمرين هو ما إذا كان هذا الهبوط يمثل بداية انعكاس في الاتجاه العام، أم مجرد تصحيح مرحلي طال انتظاره ضمن مسار صاعد أوسع.
الإجابة لا تزال مفتوحة، وستتحدد إلى حد كبير بناءً على قدرة الأسعار على الصمود فوق مستويات الدعم الفنية الرئيسية خلال الأيام المقبلة.
العامل الحاسم الآخر سيكون ما يصدر عن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي من إشارات بشأن السياسة النقدية، فأي تلميح إلى تشديد أطول أو خفض أبطأ للفائدة قد يضغط أكثر على المعادن النفيسة، في حين أن العودة إلى خطاب تيسيري قد تمنح الذهب والفضة فرصة لالتقاط الأنفاس واستعادة جزء من خسائرهما.

