
من السهل، بعد كل حرب، أن ينشغل العالم بعدّ الخسائر، وإحصاء الركام، وتبادل اللوم، ورسم خرائط الألم. لكن الأصعب، والأجدر، هو أن يُطرح سؤالٌ آخر: هل يمكن أن يكون في ما بعد الحرب جانبٌ مشرق، لا بمعنى تبرير الكارثة، بل بمعنى القدرة على انتزاع صورةٍ أفضل للعالم من بين أنقاضها؟
هذا السؤال ليس رومانسيًا كما قد يبدو، بل واقعيٌّ إلى حدٍّ بعيد. فالحروب الكبرى لا تدمّر المدن والبنى التحتية فقط، بل تكشف أيضًا هشاشة الترتيبات السياسية والاقتصادية التي سبقتها. تفضح مقدار الوهم في الاعتقاد بأن الأقاليم متباعدة فعلًا، وأن الأزمات يمكن حصرها داخل حدودها، وأن أمن كل منطقة يمكن أن يُدار بمعزل عن الأخرى. ما بعد الحرب، في أفضل صوره، ليس عودةً إلى ما كان، بل اكتشافٌ متأخر بأن العالم كان مترابطًا أصلًا، لكنه لم يُحسن إدارة هذا الترابط.
ومن هنا، قد يكون من الأجدى أن نفكر في ما بعد الحرب لا بوصفه مجرد مرحلة تهدئة، بل بوصفه فرصة لإعادة تخيل المجال المحيط بأوروبا، وشرق المتوسط، والمشرق، والمغرب، والخليج. ليس على هيئة اتحادٍ واحدٍ ضخم، ولا كتلةٍ صلبة تُمحى فيها الفوارق، بل على هيئة قوس واسع من القرب المنظم: فضاءٍ تتزايد فيه المصالح المشتركة، وتتعمق فيه مسارات الربط، ويُعاد فيه تعريف الجوار على أساس المنفعة المتبادلة، لا على أساس التوتر المزمن وحده.
هذا القوس، إذا أُحسن التفكير فيه، لا يحتاج إلى أوهام كبرى. لا يحتاج إلى ذوبان الخليج في أوروبا، ولا إلى إلغاء الهويات الوطنية، ولا إلى هندسةٍ فوقية تتجاوز الواقع. ما يحتاجه هو شيء أقلّ ضجيجًا وأكثر نضجًا: أن تدرك أوروبا أن أمنها لم يعد أوروبيًا صرفًا، وأن يدرك الخليج أن ازدهاره ليس منفصلًا عن دوائر المتوسط والمشرق، وأن تدرك دول المشرق والمغرب أن موقعها ليس قدرًا جغرافيًا معطّلًا، بل يمكن أن يكون قيمةً استراتيجيةً إذا وُضع في بنية أوسع من الاستقرار.
وحين تُذكر هذه الصورة الأوسع، فإن الأردن والمغرب يبدوان مثالين واضحين لما يمكن تسميته “الدول الجسر”. كلاهما يقف في نقطة تقاطع: له صلات متينة بأوروبا، وله في الوقت نفسه علاقات عميقة وممتدة مع الخليج. كلاهما يملك، بحكم موقعه السياسي والجغرافي، قدرةً على أن يكون حلقة وصل لا مجرد طرفٍ إضافي في مشهدٍ مزدحم. وهذه ليست مسألة بروتوكول أو مجاملة سياسية، بل وظيفة استراتيجية حقيقية: أن تكون هناك دول تعرف لغتين في آنٍ واحد، لغة الضفة الأوروبية، ولغة العمق العربي.
أما شرق المتوسط والمشرق، فصورتهما في هذا التصور أعقد وأشد حساسية. ففلسطين، إذا قامت لها دولة قابلة للحياة في المستقبل القريب، لن تكون مجرد إضافة جديدة إلى الخريطة، بل قد تصبح المعنى الأخلاقي والسياسي الأبرز لأي عالمٍ أفضل بعد الحرب. لأن أي فضاء إقليمي أرحب، يربط أوروبا بالمشرق والخليج، سيبقى ناقصًا ومختلًّا ما لم يجد للقضية الفلسطينية موضعًا عادلًا ومستقرًا في بنيته. وجود فلسطين هنا ليس تفصيلًا، بل اختبارٌ لمدى صدق هذا العالم الجديد مع نفسه: هل يريد استقرارًا حقيقيًا، أم مجرد ترتيبٍ مريح فوق جرحٍ مفتوح؟
وفي المقابل، لا يمكن لأي تصور جاد لشرق المتوسط أن يتجاهل إسرائيل، بصرف النظر عن كل التناقضات التي تحيط بوجودها ودورها. فهي، واقعًا، عنصر أساسي في معادلات الإقليم الاقتصادية والأمنية والتقنية. لكن إدراجها في أي قوسٍ أوسع لا يستقيم إلا إذا خرج من منطق التجاوز الشكلي للقضية الفلسطينية إلى منطق الحل العادل لها. وإلا فإن أي بنية إقليمية ستظل معرضة للانفجار من داخلها مهما بدت أنيقة على الورق.
أما لبنان، فهو في المخيلة الإقليمية دائمًا أكثر من حجمه الجغرافي: مرفأ، وثقافة، وطبقة بشرية، وشبكة علاقات، ونقطة تماس بين عوالم متعددة. لكنه، لكي يصبح جزءًا فعليًا من فضاءٍ أكثر استقرارًا، يحتاج أولًا إلى استعادة الحد الأدنى من الدولة والفاعلية. وسوريا، من جهتها، لا يصح أن تُدرج إلا بصيغةٍ مستقبلية مشروطة: لا بوصفها جاهزة الآن، بل بوصفها جزءًا محتملًا من مشهد إعادة الإعمار والربط البري والطاقة إذا استقرت أحوالها وخرجت من منطق الساحة المفتوحة إلى منطق الدولة القابلة للاتصال.
أما الخليج، فإنه في هذا القوس ليس مجرد خزانٍ للطاقة، كما تحب بعض القراءات القديمة أن تختزله، بل أحد أعمدته الأساسية: مالٌ سيادي، وموقعٌ بحري، وثقلٌ طاقي، وقدرة متزايدة على إعادة تعريف دوره في الاقتصاد العالمي. وأوروبا، من الطرف الآخر، ليست مجرد سوق كبيرة، بل منظومة معيارية ومؤسسية وتقنية وتعليمية يمكن أن تمنح هذا القوس عمقًا واستقرارًا واستدامة. وبين الطرفين، يقف المتوسط والمشرق والمغرب العربي لا بوصفهم فراغًا فاصلًا، بل بوصفهم النسيج الحي الذي يمنح الصورة كلها معنى.
ومن هنا، فإن الفائدة الكبرى لهذا التصور لا تكمن فقط في زيادة التبادل التجاري أو تحسين العلاقات الدبلوماسية. فائدته الأهم أنه قد يفتح الباب لشيء أعمق: تحويل الجوار من عبءٍ مزمن إلى أصلٍ استراتيجي. بدل أن تبقى هذه الأقاليم تتبادل آثار الأزمات، يمكنها أن تتبادل أسباب الاستقرار. بدل أن تبقى الممرات البحرية مصدر قلق، يمكن أن تصبح مجالًا للحماية المشتركة. بدل أن تكون الطاقة ملفًا للابتزاز والخشية، يمكن أن تصبح منصةً لتعاون طويل النفس. وبدل أن تبقى المعرفة والتقنية موزعةً بين مراكز وأطراف، يمكن أن تنشأ مساحات مشتركة للبحث والتعليم والابتكار.
وهنا يظهر الجانب المشرق حقًا لما بعد الحرب. ليس في ادعاء أن البشرية ستصبح فجأة أكثر فضيلة، ولا أن الصراعات ستختفي، بل في شيء أكثر تواضعًا وأكثر واقعية: أن تتعلم الأقاليم المتجاورة كيف تبني ترابطًا يجعل الأزمات أقل قابليةً للتمدد، ويجعل الانفصال أقل جاذبية، ويجعل السلام نفسه أكثر نفعًا من مجرد كونه هدنة.
لن يكون ذلك اتحادًا كاملًا، ولا ينبغي له أن يكون. فالعالم لا يحتاج دائمًا إلى كيانات عملاقة جديدة، بقدر حاجته إلى صيغ ذكية من القرب: صيغ تحتفظ فيها الدول والاتحادات بهوياتها وسياداتها، لكنها تدخل معًا في شبكات أعمق من التعاون المنظم، في الطاقة، والأمن البحري، والبنية التحتية، والتعليم، والتقنية، والاستثمار، والمياه، والغذاء، والممرات، والمناخ. وهذا، في الحقيقة، أقرب إلى روح العصر من أوهام الاندماج الشامل.
إن العالم الأفضل بعد الحرب قد لا يكون عالمًا مثاليًا، لكنه قد يكون عالمًا أقل سذاجةً في فهم ترابطه. عالمًا يدرك أن البحر، والميناء، والغاز، والكابل، والجامعة، والطريق، والمختبر، ليست تفاصيل منفصلة، بل أجزاء من الاستقرار نفسه. وعالمًا يفهم أن أفضل ما يمكن فعله بعد كل انفجار ليس فقط إطفاء النار، بل بناء بيئةٍ يصبح اشتعالها من جديد أكثر كلفة على الجميع.
لهذا، فإن الحديث عن قوسٍ أوروبي-متوسطي-مشرقي-خليجي ليس ترفًا فكريًا، ولا مشروعًا خياليًا محضًا. إنّه محاولةٌ جادة لتخيل عالمٍ أفضل قليلًا، وأكثر عقلًا قليلًا، وأشدّ ترابطًا قليلًا. وربما يكون هذا “القليل” هو كل ما يحتاجه التاريخ أحيانًا كي ينعطف في الاتجاه الصحيح.
فربما لا يكون الجانب المشرق لما بعد الحرب هو أن ينسى الناس الحرب، بل أن يبنوا بعدها عالمًا يجعل تكرارها أصعب، والسلام فيه أعمق، والجوار أقل عدائية، والمستقبل أقل قابليةً للخطف من قبل كل أزمة جديدة.
بقلم Chaudelair@ صديق مجلة أمناي.
