
في خطوة أثارت ضجة لم تهدأ بعد، أعلن البرلمان الأوروبي، بكل فخر وتبجيل، عن منحه مصر الشريحة الثانية من الدعم المالي بقيمة 4 مليارات يورو، ضمن حزمة دعم إجمالية تصل إلى 7.4 مليار يورو حتى عام 2027.
وبحسب بيان رسمي، جاء هذا الدعم “تعبيرًا عن تقدير أوروبا للدور المتزن” الذي تلعبه مصر تحت قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي في ظل “اضطرابات المنطقة”.
لكن دعونا نتوقف لحظة: متزن؟ أي توازن هذا الذي يُكافأ بقروض جديدة تُضاف إلى كومة الديون المصرية المتعثرة؟ أهو توازن “الصمت المطبق” أم توازن “اليد الممدودة”؟
4 مليارات يورو: منحة أم رشوة أم قرض لتسديد فوائد القروض؟
الإعلام المصري، الذي اعتاد أن يحتفل بكل دولار يدخل البلاد كأنه انتصار عسكري، بدا هذه المرة في حالة ارتباك. فمن جهة، لا يمكن إنكار أن 4 مليارات يورو مبلغ ليس بالهين، خاصة في بلد أصبح السكر فيه أغلى من الكافيار والزيت سلعة استراتيجية تُحفظ في الخزائن.
لكن من جهة أخرى، السؤال الذي يدور في أذهان المصريين: هل هذه الأموال ستذهب لتحسين حياة المواطن الغلبان، أم أنها مجرد “قرض جديد لتسديد فوائد القروض القديمة”، كما علق أحد المغردين على منصة إكس؟
الإجابة، كالعادة، ملفوفة في بيانات رسمية مليئة بالمصطلحات الرنانة: “تثبيت الاقتصاد الكلي”، “تحسين بيئة الأعمال”، “تعزيز التحول الأخضر”. لكن المواطن المصري، الذي أصبح خبيرًا في فك شفرات هذه التصريحات، يعلم جيدًا أن هذه العبارات تعني شيئًا واحدًا: “الفلوس دي مش هتشوفوها”.
فبينما يتحدث المسؤولون عن “الشراكة الاستراتيجية” مع أوروبا، يتساءل الناس في الشوارع: “استراتيجية مين؟ وشراكة مع مين؟ وإزاي شراكة والديون بتزيد؟”
السيسي: قائد متزن أم حارس حدود أوروبا؟
البيان الأوروبي لم ينسَ أن يوجّه الشكر للرئيس السيسي على “قيادته الحكيمة”، وهو ما أثار موجة من السخرية على مواقع التواصل الاجتماعي.
أحد المغردين كتب: “أوروبا بتشتري الصمت وبتشتري الحدود وبتشتري دور الشرطي المطيع على شاطئ البحر المتوسط”.
وبالفعل، يبدو أن الدعم الأوروبي ليس مجرد مساعدة إنسانية، بل صفقة واضحة المعالم: مصر تحرس حدود أوروبا من تدفقات المهاجرين، وتضمن استقرار المنطقة (أو على الأقل عدم تفاقم الفوضى)، وفي المقابل تحصل على قروض تُبقي الاقتصاد على قيد الحياة بالتنفس الاصطناعي.
لكن هذا الدور، رغم أهميته الاستراتيجية لأوروبا، يثير غضبًا متزايدًا في الشارع المصري. ففي الوقت الذي تُكافأ فيه مصر على “توازنها”، يرى المصريون أن هذا التوازن يأتي على حساب كرامتهم الوطنية، “شحاتين”، هكذا وصف أحد المغردين النظام المصري، مضيفًا: “تبقى دماء أهل غزة تطاردكم”، هذا الغضب ليس موجهًا فقط لأوروبا، بل يمتد إلى النظام المصري نفسه، الذي يُتهم بأنه “يبيع المواقف السياسية” مقابل دعم مالي.
وبينما تلعب دول شمال أفريقيا عموما دورا في منع تدفق المهاجرين السريين إلا أن مصر تستخدم هذا الملف لابتزاز أوروبا.
تهدئة الغضب المصري من زيارة ترامب للخليج
إذا كان الدعم الأوروبي قد أثار جدلاً، فإن زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للخليج في مايو 2025 أشعلت النار في قلوب الإعلام المصري والرأي العام.
الزيارة، التي وُصفت بأنها جلبَت “تريليونات الدولارات” للاقتصاد الأمريكي، كانت بمثابة عرض عضلات اقتصادي وسياسي بين ترامب ودول الخليج. لكن ما أثار حنق المصريين ليس حجم الصفقات التريليونية، بل شعورهم بأن مصر، اللاعب التاريخي الكبير في المنطقة، أصبحت مجرد “متفرج” على المسرح الإقليمي.
الإعلام المصري، الذي اعتاد أن يصور مصر كـ”أم الدنيا” وقائدة العالم العربي، وجد نفسه في موقف محرج. فبينما تحتفل السعودية والإمارات بصفقات ضخمة مع ترامب، تقف مصر في طابور الدعم الأوروبي، مكتفية بـ”فتات القروض”.
أحد البرامج التلفزيونية المصرية وصف زيارة ترامب بأنها “مسرحية هوليوودية” تهدف إلى تعزيز صورة ترامب كـ”خبير الصفقات”، لكن وراء الكواليس، كان الغضب المصري ينبع من إحساس بالتهميش.
الغضب المصري من زيارة ترامب ينبع أيضا من شعور المصريين على أنه لهم الفضل على الخليجيين، وأنه ينبغي لدول الخليج أن تسدد ديون مصر وتحسن أحوالها التي ساءت بسبب الفساد الداخلي والإستبداد والفشل في تنفيذ الإصلاحات التي اقترحها صندوق النقد الدولي والتي كانت ستحول مصر إلى دولة ليبرالية عربية حقيقية.
توجهت مصر بعد هذا الغضب إلى التقارب مع ايران حيث أعلن البلدين عن تفاهمات وتعاون مستفز لإسرائيل ودول الخليج العربي.
ويتابع الجميع حالة التشنج والغليان الذي يترجمه الإعلام المصري من سياسات دول الخليج وأيضا من إصرار اسرائيل على تصفية حماس نهائيا، وهناك حاليا حالة شعبية في مصر تؤيد ابادة اليهود وشعب اسرائيل وتدعم ايران وهو ما يعد تصعيدا خطيرا.
الحقد المصري على الاستثمار الخليجي في سوريا
إذا كانت زيارة ترامب للخليج قد أثارت غضبًا، فإن الاستثمار الخليجي المزمع في سوريا بعد سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024 أشعل فتيل الحقد المصري.
سوريا، التي يقودها الآن أحمد الشرع، الرجل الذي وصفه ترامب بأنه “شاب جذاب” و”مقاتل قوي”، أصبحت وجهة جديدة للاستثمارات الخليجية.
السعودية، التي أرسلت مساعدات غذائية وطبية إلى سوريا، تتفاوض الآن على دعم دمشق في مرحلتها الانتقالية، بينما تتحدث تقارير عن مشروع “Silk Link” بقيمة 300 مليون دولار لتطوير شبكة الاتصالات في سوريا.
هذا التحول أثار استياءً كبيرًا في مصر. فبينما تكافح القاهرة لجذب استثمارات خليجية، يبدو أن الرياض وأبوظبي تفضلان الاستثمار في سوريا “الشرع” على مصر “الشحاتة”.
أحد المحللين المصريين، في مقال نشرته صحيفة الأهرام، وصف هذا التوجه بأنه “خيانة للتاريخ العربي”، مشيرًا إلى أن مصر كانت دائمًا الداعم الأول للقضايا العربية، بينما الخليج “يستغل الفرص الجديدة دون النظر إلى الوراء”.
لكن الحقيقة أعقد من ذلك. دول الخليج، التي باتت تتبنى نهجًا اقتصاديًا يركز على “العائد الاستثماري” بدلاً من “الدعم السياسي”، ترى في سوريا فرصة لتوسيع نفوذها في مرحلة ما بعد الأسد.
في المقابل، تعاني مصر من صورة “المدين المتعثر”، حيث أصبحت الاستثمارات فيها محفوفة بالمخاطر بسبب التضخم المتسارع والعجز المالي المزمن، وهكذا، بينما تتدفق الأموال الخليجية إلى دمشق، تبقى القاهرة تنتظر “الشريحة الثالثة” من الدعم الأوروبي.
