في خطوة تكشف عن قلق عميق من احتمال نشوب صراع واسع النطاق في أوروبا، أصدرت وزارة الصحة الفرنسية تعليمات سرية إلى الوكالات الصحية الإقليمية (ARS) لإعداد المستشفيات والطواقم الطبية لاستقبال أعداد هائلة من الجرحى في مستشفيات فرنسا بحلول مارس 2026.
وفقًا لتقرير نشرته الصحيفة الاستقصائية الفرنسية “لو كانار أنشينيه”، تأتي هذه التعليمات بناءً على طلب من الأمانة العامة للدفاع والأمن القومي، وتهدف إلى تحويل النظام الصحي الفرنسي إلى قاعدة خلفية قادرة على التعامل مع تداعيات حرب محتملة.
هذه الخطوة ليست مجرد إجراء احترازي، بل إشارة إلى استعدادات جدية لمواجهة سيناريوهات كارثية قد تهز القارة الأوروبية.
تعليمات سرية واستعدادات غير مسبوقة
وفقًا للتقرير المنشور في 27 أغسطس 2025، أرسلت وزارة الصحة الفرنسية مذكرة بتاريخ 18 يوليو 2025 إلى الوكالات الصحية الإقليمية، تحث فيها المستشفيات على الاستعداد لاستقبال ما بين 10,000 إلى 50,000 جريح خلال فترة تتراوح بين 10 إلى 180 يومًا، حسب سيناريو الأزمة.
الهدف هو ضمان قدرة النظام الصحي على تحمل ضغط استقبال أعداد كبيرة من الجرحى – سواء من الجنود الفرنسيين أو الحلفاء – لفترات طويلة قد تمتد لأشهر.
وتشمل الخطة إنشاء مراكز طبية مؤقتة بالقرب من الموانئ والمطارات لتسهيل استقبال الجرحى من مناطق القتال ونقلهم إلى بلدانهم الأصلية بسرعة، مع تتبع المرضى الأجانب لضمان تعويض المؤسسات الطبية وفقًا للاتفاقيات الدولية.
التعليمات تذهب إلى أبعد من ذلك، حيث تطالب بتجنيد جميع العاملين في القطاع الطبي في فرنسا، بغض النظر عن تخصصاتهم، لدعم الخدمة الطبية العسكرية التي تضم حاليًا 14,000 فرد.
كما تشير مذكرة سرية أخرى إلى أن المستشفيات العسكرية الثمانية في فرنسا ستُخصص لاستقبال الجنود الفرنسيين المصابين، مما قد يعني نقل مرضى السرطان الذين يخضعون للعلاج الكيميائي إلى مستشفيات مدنية، أو كما علقت الصحيفة بسخرية: “يُطلب منهم التعافي بسرعة أو الموت في مستشفى مدني”.
تُظهر هذه الاستعدادات التزامًا بتعزيز المرونة الصحية في مواجهة أزمة غير مسبوقة، التركيز على الصدمات النفسية وإعادة التأهيل يعكس فهمًا للتداعيات طويلة المدى للحروب، بينما يُبرز إنشاء مراكز طبية بالقرب من المحاور اللوجستية استراتيجية لتسهيل التنسيق مع الحلفاء الدوليين.
تدريب مكثف وتحديات لوجستية
تتضمن الخطة تدريب الأطباء والطواقم الطبية على التعامل مع ظروف الحرب، التي تتسم بنقص الموارد، زيادة الاحتياجات، والتحديات النفسية والجسدية.
يُركز التدريب على إدارة الصدمات النفسية، العلاج الطبيعي، وإعادة التأهيل، مع التركيز على الاستعداد لاستقبال ما يصل إلى 100 جريح يوميًا لمدة شهرين، أو 250 جريحًا يوميًا خلال ذروة الأزمات لمدة ثلاثة أيام.
هذا يتطلب إعادة هيكلة المستشفيات المدنية، تحرير الأسرّة، وتخطيط مسارات إجلاء فعالة من غرف العلاج إلى المطارات.
كما تُحث المستشفيات على وضع جداول عمل تتحمل ضغط أشهر من العمل المكثف، مع توفير دعم نفسي للطواقم الطبية التي قد تواجه إجهادًا شديدًا.
وتشير التعليمات إلى أن المستشفيات يجب أن تكون جاهزة للتعامل مع تدفق مستمر للمرضى مع الحفاظ على الرعاية المدنية الأساسية، وهو تحدٍ لوجستي هائل بالنظر إلى الضغوط الحالية على النظام الصحي الفرنسي.
في الواقع، حذرت تقارير سابقة منذ عام 2019 من أن النظام الصحي الفرنسي، الذي كان يُعتبر من بين الأفضل عالميًا، يعاني من نقص في الأسرّة والموظفين بسبب التخفيضات المالية، هذه التحديات قد تعقد الاستعدادات لسيناريو حربي.
هل يستعد ماكرون للحرب؟
تأتي هذه الاستعدادات في وقت يواصل فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الدعوة علنًا إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا، بينما تُظهر الوثائق السرية استعدادًا لصراع أوسع.
هذا التناقض أثار تساؤلات حول ما إذا كانت الحكومة الفرنسية تتوقع تصعيدًا عسكريًا في أوروبا، خاصة مع استمرار التوترات بين روسيا وحلف الناتو.
تقارير إضافية تشير إلى أن دولًا أخرى، مثل المملكة المتحدة، اتخذت خطوات مماثلة، حيث اشترت سرًا دفعة كبيرة من المشارح المتنقلة، مما يعزز الشعور بالقلق من حرب محتملة.
في الوقت نفسه، يواجه النظام الصحي الفرنسي تحديات داخلية، حيث أشارت تقارير سابقة إلى أن سعة وحدات العناية المركزة في فرنسا لم تتوسع بشكل كبير منذ جائحة كوفيد-19، مما يجعل الاستعداد لأزمة حربية أكثر صعوبة.
ومع ذلك، يبدو أن الخبرة المكتسبة من الجائحة – مثل نقل المرضى عبر الطائرات والقطارات السريعة وإعادة ترتيب العمليات الطبية – ستُستخدم لتعزيز الاستجابة لهذه الأزمة المحتملة.
وزيرة الصحة كاثرين فوتران حاولت تهدئة الجدل في مقابلة مع قناة BFM TV، واصفة الإجراءات بأنها “احترازية”، لكن ذلك لم يخفف من مخاوف الرأي العام.
كما أن إشراك جميع العاملين الطبيين في الخدمة العسكرية يثير تساؤلات حول تأثير ذلك على الرعاية الصحية المدنية، خاصة في ظل نقص الموارد الحالي.

