
عندما نتحدث اليوم عن الشطرنج أونلاين، وعن ملايين المباريات التي تُلعب يومياً عبر منصات رقمية فائقة السرعة، يبدو الأمر وكأنه نتاج طبيعي لعصر الإنترنت والحوسبة الحديثة.
غير أن الحقيقة مختلفة وهي أن أول مباراة شطرنج “عن بُعد” في التاريخ لُعبت عام 1844، أي قبل اختراع الإنترنت بأكثر من 150 عاما، باستخدام تقنية كانت آنذاك ثورية بالقدر نفسه الذي تمثله الشبكات الرقمية اليوم: التلغراف الكهربائي.
لقد كانت الشطرنج “اللعبة التي يزيد عمرها عن 1500 عام” دائماً في طليعة التجارب التقنية، من الأسلاك النحاسية الأولى إلى الخوادم العملاقة اليوم.
أول مباراة شطرنج عبر “الشبكة” عام 1844
في 18 نوفمبر 1844، وجّه نادي الشطرنج في واشنطن تحدياً إلى نظرائه في مدينة بالتيمور. تم تشكيل فريقين، وفي الساعة الرابعة مساءً من يوم 26 نوفمبر، بدأت أول مباراة شطرنج من نوعها في التاريخ.
لكن ما جعل هذه المباراة غير مسبوقة هو أن اللاعبين لم يكونوا في غرفة واحدة، ولا حتى في المدينة نفسها. كان فريق واشنطن في العاصمة، بينما ظل فريق بالتيمور في مدينته، على بعد نحو 60 كيلومتراً.
الوسيط الوحيد بين الطرفين كان خط التلغراف الكهربائي الجديد بين بالتيمور وواشنطن، وهو أول خط تلغرافي يعمل في الولايات المتحدة.
بهذا المعنى، يمكن القول إن الشطرنج دخل العالم “الأونلاين” بعد أشهر فقط من ولادة أول شبكة اتصالات كهربائية حديثة.
الإنترنت البدائي للقرن التاسع عشر
كان خط بالتيمور–واشنطن مشروعاً مولّه الكونغرس الأمريكي عام 1843 بمبلغ 30 ألف دولار (ما يعادل نحو 1.3 مليون دولار اليوم)، وقد افتتحه صمويل مورس في مايو 1844 برسالته الشهيرة: ماذا صنع الله؟
لم يكن التلغراف مجرد وسيلة لإرسال الأخبار، بل تجربة اجتماعية وتقنية أثارت فضول الجمهور والسياسيين على حد سواء.
وسرعان ما أصبح الشطرنج وسيلة مثالية لاستعراض قدرات هذه التقنية الجديدة، لأن اللعبة بطبيعتها لا تحتاج إلا إلى نقل معلومات قليلة ودقيقة.
كيف لُعبت مباريات الشطرنج عبر التلغراف؟
في البداية، لم يبدأ الأمر بالشطرنج بل بلعبة الداما (Checkers) فقد سجّل ألفريد فايل، أحد مساعدي مورس، في مذكراته أنه اقترح في 15 نوفمبر 1844 لعب مباراة داما عبر التلغراف “للتسلية”.
لكن سرعان ما تطورت الفكرة إلى الشطرنج، اللعبة الأكثر تعقيداً ورمزية، ولتجاوز صعوبة وصف النقلات، ابتكر اللاعبون نظاماً ذكياً يعتمد على ترقيم مربعات الرقعة من 1 إلى 64.
وبهذا، تحولت نقلة مثل “بيدق إلى خانة فيل الملك” إلى أرقام بسيطة تُرسل بسهولة عبر الأسلاك.
هذه الفكرة تشبه إلى حد بعيد ما تفعله اليوم بروتوكولات الإنترنت: تبسيط المعلومات المعقدة إلى رموز قابلة للنقل السريع.
سجل فايل سبع مباريات بـ686 حركة دون خطأ، لكن بعض الحركات غير قانونية في السجلات، ووصف جون ماكراري، رئيس سابق للاتحاد الامريكي للشطرنج، اللعب بـ”الضعيف” بسبب أخطاء تكتيكية.
انتهت المباراة الاولى باستسلام واشنطن بعد هجوم ملكة (الوزير كما يسميه العرب) بالتمور.
الشطرنج كأداة ضغط سياسي وتسويقي
لم يكن الشطرنج مجرد لعبة، بل تحول إلى ورقة ضغط استخدمها صمويل مورس نفسه لإقناع الكونغرس بتمويل توسيع شبكة التلغراف.
في رسالة إلى وزير الخزانة عام 1844، كتب مورس أن التلغراف لا ينقل الأخبار السياسية فقط، بل يمكنه أيضاً نقل مباريات شطرنج “بالسهولة نفسها كما لو كان اللاعبون يجلسون على الطاولة ذاتها”.
بهذا، أصبح الشطرنج دليلاً عملياً على أن التلغراف يعمل ليلاً ونهاراً، وفي الطقس السيئ، بعكس أنظمة الإشارات البصرية التي كانت تعتمد على الأبراج والأعلام.
كان التلغراف بسيطاً: بطارية، مفتاح، مغناطيس شبيه بجرس الباب، استخدام كود مورس للأرقام والحروف، مع طباعة نقاط وشرطات على ورقة.
لم يكن الترويج واضحاً في البداية، لكنه ساعد في جذب الجمهور، كما أنه تسبب في جدل ديني إذ ان الدين بطبيعته معارض للتطور سواء في المسيحية أو غيرها من الأديان الإبراهيمية.
رحلة الشطرنج من التلغراف إلى الإنترنت
بعد تجربة 1844، انتشرت مباريات الشطرنج عبر التلغراف في بريطانيا وأمريكا خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
وفي عام 1965، لعب بوبي فيشر مباراة عن بُعد عبر الهاتف وفي 1999، واجه غاري كاسباروف “بقية العالم” عبر الإنترنت.
اليوم، تستضيف مواقع مثل chess.com ما يصل إلى 20 مليون مباراة يومياً، كما أصبح الشطرنج جزءاً من عالم الرياضات الإلكترونية.
هناك اليوم الآلاف من التطبيقات ومواقع الويب التي توفر لك لعب ألعاب الشطرنج أونلاين مع الآخرين في الوقت الفعلي، حيث النقلات واضحة ويمكنك أيضا الدردشة مع المنافسين وتكوين الصداقات معهم.
