المسلم جيفري إبستين

في أعقاب نشر أكثر من ثلاثة ملايين وثيقة جديدة مرتبطة بقضية جيفري إبستين، خرج علينا عدد كبير من المؤثرين والدعاة المسلمين بخطاب مشبع بالبطولات الوهمية والتفوق الأخلاقي المزعوم، لا بوصف القضية مأساة إنسانية أو جريمة كونية، بل باعتبارها فرصة ذهبية لاحتقار كل ما هو غربي وعلماني

فجأة، تحوّل إبستين من مجرم مدان إلى أداة أيديولوجية تُستعمل لإثبات أن الحضارة الإسلامية أنقى وأطهر ومحصّنة من هذا النوع من الجرائم.

السؤال الذي يطرحه هؤلاء يبدو للوهلة الأولى عميقًا: ماذا لو كان جيفري إبستين مسلمًا؟ لكن الإجابة التي يقدمونها ليست سوى تمرين فجّ على المظلومية، وصناعة صورة وردية لعالم إسلامي متخيَّل، يُقدَّم فيه المسلم بوصفه كائنًا أخلاقيًا فوق التاريخ وفوق السلطة وفوق الجريمة.

غير أن السؤال الحقيقي ليس افتراضيًا ولا فلسفيًا، بل واقعي إلى حد الفجاجة: ماذا كان سيحدث لإبستين فعلًا لو عاش داخل دولة إسلامية؟

الجواب، لمن يعرف بنية الحكم في العالم الإسلامي، واضح ولا يحتمل المواربة، رجل بثروة إبستين، وبشبكة علاقاته الواسعة مع السياسيين وأجهزة النفوذ، وبقدرته على التمويل والتأثير، لا يسقط في يد القضاء مهما ارتكب، ما دامت أفعاله لا تهدد الحكم، وما دام ولاؤه مفيدًا ونافعًا للسلطة القائمة، في هذه المنظومة العدالة ليست مبدأ بل أداة، ولا تُستخدم إلا ضد الضعفاء أو الخصوم.

أي محاولة لفتح ملف كهذا كانت ستُقابل فورًا بقلب كامل للأدوار، إذ يتحول المتهم إلى رجل محترم، وفاعل خير، وشخصية وطنية، بينما تُقدَّم الضحية بوصفها مبتزّة ونكرة تبحث عن الشهرة على ظهر اسم معروف للداني والقاصي.

وفي أفضل السيناريوهات، يُشترى الصمت ببضعة ملايين من الجنيهات أو الدنانير أو الريالات أو الدراهم المهم حسب العملة المحلية، أما إذا أصرت الضحية على المطالبة بحقها فإن السجن والتعذيب وربما القتل، تصبح خيارات مشروعة والسيناريوهات في هذا الصدد كثيرة وقد أبدع فيها المستبدين.

هذا الواقع لا يقتصر على الدول الإسلامية الحديثة فحسب، بل يجد جذوره أيضًا في التراث السياسي للخلافة الإسلامية، حيث تُستدعى نصوص الطاعة العمياء مثل حديث: «تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك» لتكريس مبدأ خطير مفاده أن الحاكم ومقرّبيه فوق المساءلة، وأن الخروج عليهم ولو بالشكوى يُعد مفسدة كبرى قد تصل إلى التكفير، ووسم المعترضين بالخوارج وإباحة دمائهم وأعراضهم.

ولمن يعتقد أن هذا الكلام مبالغة، يكفي التذكير بحالة ماليزيا، الدولة التي تُسوَّق بوصفها نموذج «الإسلام المعتدل»، حيث أفلت نائب رئيس الوزراء أحمد زاهد حميدي عام 2023 من 47 تهمة تتعلق بالفساد والرشوة، رغم وجود أدلة دامغة تعود إلى فترة توليه وزارة الداخلية.

أما تاريخيًا فقد تورط حكام مسلمون رفعوا راية الشريعة في جرائم استغلال جنسي ودعارة قاصرين وإساءة استخدام فاضحة للسلطة، ومع ذلك ماتوا في قصورهم دون أن يُحاسبهم أحد، لأن القضاء كان بأيديهم، يُستخدم سلاحًا ضد المعارضين، وأداة لتبرئة الطبقة الحاكمة، ولم ينتصر أحدا لهؤلاء المظلومون لأن النظام كله في خدمة الحاكم والمقربين منه.

والحقيقة أن الغرب لا يدعي الطهارة الأخلاقية لكنه يملك ما هو أعظم وهي آليات المحاسبة، في قضية إبستين، وُضع الرجل خلف القضبان، وجُمّدت ثروته التي بلغت نحو 288 مليون دولار، وخصصت لتعويض الضحايا، وسقطت شخصيات نافذة، أبرزها الأمير أندرو.

والأهم من ذلك أن هذه الفضيحة ستؤدي إلى تشديد القوانين، وتوسيع دوائر التحقيق، وتحويل القضية إلى عبرة سياسية وقانونية وقد تسقط الرئيس دونالد ترامب.

أما في العالم الإسلامي، فإن سقوط شخصية بحجم إبستين إن حدث لن يكون بسبب جرائمه، بل بسبب الخروج عن الطاعة أو التحول إلى خطر على الحكم، حينها فقط يُسجن، ويُعذَّب، وربما يُقتل بلا محاكمة، ليموت ومعه أسرار الطبقة الفاسدة وجرائمهم ومغامراتهم الجنسية خلف الأبواب المغلقة.

هذه هي الحقيقة التي يتغافل عنها المؤثّرون الإسلاميون، وهم يصطنعون بطولاتٍ أخلاقية وهمية على أنقاض مأساة إنسانية، فقد صمتت ألسنتهم عن سعي طالبان لإحياء نظام السادة والعبيد في أفغانستان، ولم ينطقوا بكلمة عن القوانين الجديدة التي تُقسّم المجتمع إلى طبقات، تُطبَّق فيها الحدود على العامة، بينما يُكتفى بتوجيه الإنذار أو العتاب لرجال الدين والسياسة وأفراد الطبقة العليا. تلك هي عدالة الخلافة الإسلامية التي صدعونا بها.