في زيارته إلى إسرائيل تحدث رئيس الوزراء الهندي عن مجموعة I2U2، والمعروفة أيضاً باسم الرباعي الشرق أوسطي أو الرباعي الغربي، وهي شراكة استراتيجية بين الهند وإسرائيل والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة.
أوضح البيان المشترك الأول للمجموعة، الصادر في 14 يوليو 2022، نيتها التعاون في “استثمارات مشتركة ومبادرات جديدة في مجالات المياه والطاقة والنقل والفضاء والصحة والأمن الغذائي”.
محمد سليمان صاحب فكرة التحالف الهندي الإبراهيمي
في مقالٍ نُشر في معهد الشرق الأوسط، طرح محمد سليمان، المفكر في السياسة الخارجية، رؤية استراتيجية لتحالف هندي-إبراهيمي أوسع نطاقًا، يضم الهند وإسرائيل والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة، على أن يتوسع مستقبلًا ليشمل مصر والمملكة العربية السعودية، بهدف خلق توازن قوى إيجابي يحافظ على السلام والأمن في غرب آسيا.
وقد أيّد المعلق الهندي راجا موهان مفهوم سليمان للتحالف الهندي-الإبراهيمي، مؤكدًا كيف يمكن لهذا المفهوم أن “يُعطي دفعة قوية لانخراط الهند مع دول الجوار الغربي”.
ويُعتبر مفهوم سليمان الاستراتيجي للتحالف الهندي-الإبراهيمي من أكثر التصورات تأثيرًا في الشرق الأوسط ما بعد النفوذ الأمريكي، وقد وضع في نهاية المطاف الإطار العام لمجموعة I2U2.
عقدت الهند وإسرائيل والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة أول اجتماع مشترك لها افتراضياً في أكتوبر/تشرين الأول 2021.
آنذاك، شُبّه هذا التحالف الرباعي بتحالف “كواد”، وقد أُتيح انضمام الإمارات وإسرائيل إلى اتفاقية تعاون من هذا النوع بفضل اتفاقيات أبراهام التي وُقّعت في أغسطس 2020، والتي طبعت العلاقات بين البلدين.
كان سليمان يهدف إلى أن يُحدث مفهوم التحالف الهندي-الإبراهيمي تحولاً في الجغرافيا السياسية والاقتصادية الإقليمية لغرب آسيا، وأن يربط في نهاية المطاف مجموعة “الهند-إسرائيل-إسرائيل بلس” بتحالف “كواد” لتعزيز نظام آسيوي شامل.
ويدعو سليمان إلى توسيع نطاق هذا التحالف ليشمل دولاً أعضاء أخرى مثل مصر والسعودية وفرنسا واليونان.
مجموعة I2U2 ليس تحالفا عسكريا أو دينيا
وصف المعلق الهندي هارشيل ميهتا، في مقال له على موقع “نيوز 18″، مجموعة I2U2 بأنها “منصة للقرن الحادي والعشرين، مدفوعة بالبراغماتية الاقتصادية والتعاون متعدد الأطراف والاستقلالية الاستراتيجية”، وهو ما “يتناقض تماماً مع التكتلات القديمة التي كانت فيها الاعتبارات الدينية أو الأيديولوجية السياسية ذات أهمية”.
وفي لحظة يتآكل فيها النظام الدولي القائم على التحالفات الصلبة، وتتصاعد فيها المنافسة بين القوى الكبرى من شرق آسيا إلى البحر الأسود، تشكل مجموعة I2U2
لا يعلن I2U2 نفسه تحالفًا ضد أحد، لكنه يتشكل في سياق تنافس عالمي محتدم، الصين توسع حضورها عبر “الحزام والطريق”، وروسيا تسعى إلى تثبيت نفوذها في غرب آسيا، وإيران تعيد تموضعها إقليميًا.
في هذا المشهد، يمثل الرباعي منصة تنسيق بين ديمقراطيات وأسواق مفتوحة نسبيًا، دون الدخول في إلتزامات عسكرية مباشرة، إنه تحالف مصالح لا تحالف معاهدات عسكرية أو دينية.
المثير أن هذا الإطار لا يعتمد على الانسجام السياسي الكامل بين أعضائه، إذ نجد أن الهند تحافظ على علاقات وثيقة مع إيران وروسيا، والإمارات تدير توازنات معقدة مع قوى إقليمية متعددة، وإسرائيل تواجه ضغوطًا إقليمية متصاعدة، والولايات المتحدة تعيد تعريف أولوياتها الاستراتيجية.
ومع ذلك، وجد الأربعة أرضية مشتركة في الاقتصاد والتكنولوجيا، هذا يشير إلى أن التحالفات في القرن الحادي والعشرين قد تُبنى على مشاريع محددة بدل إلتزامات شاملة.
قوة وإمكانيات مجموعة I2U2
تجاوز إجمالي الناتج المحلي المشترك لدول مجموعة I2U2 حاجز 35 تريليون دولار بنهاية 2025، وتُعرف هذه المجموعة أحياناً باسم “الرباعية للشرق الأوسط” أو “الرباعية لغرب آسيا”
وتتضمن المجموعة أكبر اقتصاد في العالم وهي الولايات المتحدة الأمريكية إلى جانب أسرع اقتصاد نموا في العالم وهي الهند، فيما تعد الإمارات العربية المتحدة رائدة العرب في التكنولوجيا والسياحة والخدمات، وتقدم إسرائيل واحدة من أعلى كثافات الشركات الناشئة للفرد في العالم، مع إنفاق على البحث والتطوير يقارب 5٪ من الناتج المحلي من بين الأعلى عالميًا.
كما أن الدول الأربعة موجودة على خريطة العالم للإبتكار التكنولوجي وتقود تطوير الذكاء الإصطناعي، ما يجعلها مؤثرة للغاية في الحياة اليومية للشعوب كافة.
مشاريع مجموعة I2U2
المشروع الأول الذي أعلن عنه التجمع كان استثمارًا إماراتيًا بقيمة ملياري دولار لإنشاء مجمعات غذائية في الهند، باستخدام تقنيات زراعية إسرائيلية ودعم لوجستي أمريكي، بما يعزز سلاسل الإمداد ويقلل مخاطر تقلبات السوق العالمية للحبوب.
هذا المشروع يعكس فلسفة I2U2: رأس مال خليجي، تكنولوجيا إسرائيلية، سوق هندية واسعة، ومظلة أمريكية سياسية واستثمارية، إنه نموذج تكامل عابر للأقاليم، حيث لا يحتكر طرف واحد سلسلة القيمة كاملة.
في مجال الطاقة، أُعلن عن مشاريع في الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر، مستفيدين من وفرة الإشعاع الشمسي في الهند والإمارات، ومن القدرات الإسرائيلية في تخزين الطاقة وإدارتها، ومن التمويل والتكنولوجيا الأمريكية.
كما تدعم هذه المجموعة الممر الإقتصادي الجديد القادم من الهند والذي يمر عبر الإمارات والسعودية نحو الأردن ثم إسرائيل نحو أوروبا والذي سينقل السلع والمواد الأولية من المصنع الجديد في آسيا وهي الهند إلى الغرب الذي يركز على الإبتكار في مجالات الخدمات والتكنولوجيا ويستفيد من توارف اليد العاملة الرخيصة في الهند وآسيا.
البعد الجيوسياسي لمجموعة I2U2
تنظر الهند إلى الشرق الأوسط كامتداد طبيعي لاستراتيجيتها في المحيطين الهندي والهادئ، حيث تسعى إلى تأمين طرق التجارة البحرية وسلاسل الإمداد وتصدير منتجاتها بأقل تكلفة إلى الغرب.
في المقابل عملت الإمارات ومن خلال شركة موانئ دبي ومشاريعها الداخلية على بناء أسس للتحول إلى نقطة تربط بين الهند والشرق الأوسط ونقطة لنقل البضائع والسلع الهندية بأقل تكلفة إلى المنطقة.
أما إسرائيل فهي بوابة تكنولوجية على المتوسط، وهي تملك الموانئ التي توفر لها التصدير إلى أوروبا وعلاقات وثيقة باليونان وقبرص ويمكنها أيضا أن تكون بوابة للسلع الهندية إلى مصر وشمال أفريقيا.
بينما توفر الولايات المتحدة العمق الأمني والوزن الدولي، القوة العظمى التي سبق لها وأن دعمت صعود اليابان ثم الصين تدعم الآن جهود الهند للعب دور المصنع في آسيا.
عندما تُربط هذه النقاط عبر مشاريع مثل الممر الاقتصادي الهندي–الشرق أوسطي–الأوروبي، فإننا أمام مسار بديل يعيد رسم خريطة الربط بين آسيا وأوروبا، ويقدم بديلاً جزئيًا للممرات التي تهيمن عليها قوى أخرى في أوراسيا.
البعد الأمني لمجموعة I2U2
البعد الأمني، وإن لم يُعلن صراحة كهدف أساسي، يظل حاضرًا ضمنيًا، فالتعاون في مجالات الأمن السيبراني، وحماية البنية التحتية، ومكافحة التهديدات غير التقليدية، يعزز قدرة الدول الأربع على مواجهة تحديات عابرة للحدود.
في عالم تتزايد فيه الهجمات السيبرانية وتتعرض فيه سلاسل الإمداد للاضطراب، يصبح التنسيق في هذه المجالات جزءًا من الأمن القومي.
من منظور إسرائيلي، يوفر I2U2 عمقًا آسيويًا يتجاوز الإطار الأوروبي–الأمريكي التقليدي، ويفتح سوقًا هندية ضخمة أمام شركات التكنولوجيا والدفاع.
ومن منظور هندي، يتيح الوصول إلى تكنولوجيا إسرائيلية متقدمة ورأس مال خليجي، مع الحفاظ على علاقة استراتيجية مع واشنطن.
ومن منظور إماراتي ترى، تعزز العضوية في هذه المجموعة الرباعية موقعها كمركز استثماري عابر للأقاليم، بينما تستخدمه الولايات المتحدة كأداة لترسيخ شبكة شراكات مرنة دون نشر قوات أو توقيع معاهدات دفاع جديدة.
النتيجة ليست مجرد منتدى حوار، بل بنية تحتية تعاون عابر للمحيطات، وإذا استمرت المشاريع المعلنة في التنفيذ، فإن I2U2 قد يتحول إلى نموذج لتكتلات “المصلحة المشتركة” في عصر تتراجع فيه فعالية التحالفات الصلبة.
تأثيره لن يظهر في بيان قمة، بل في تدفقات استثمار، وممرات لوجستية، وشبكات طاقة، وتكامل تكنولوجي يعيد توزيع مراكز الثقل بين آسيا والشرق الأوسط.
مجموعة I2U2 قابلة للتوسع
في نهاية المطاف، لا يمكن فهم I2U2 كتحالف عابر، بل كجزء من إعادة تشكيل أوسع للجغرافيا الاقتصادية العالمية.
إنه يعكس إدراكًا متزايدًا بأن القوة في القرن الحادي والعشرين لا تُقاس فقط بعدد حاملات الطائرات، بل بقدرة الدول على ربط الأسواق، وتأمين الغذاء، وإنتاج الطاقة النظيفة، وتطوير التكنولوجيا.
وفي هذا السياق، قد يكون الرباعي الهندي–الإسرائيلي–الإماراتي–الأمريكي أحد أكثر التجارب السياسية الاقتصادية طموحًا في إعادة صياغة العلاقة بين المحيط الهندي والبحر المتوسط.
ومن غير المستبعد أن تنضم دول أخرى مثل السعودية ومصر وإيران (بعد سقوط النظام الحالي) إلى مجموعة I2U2 كي يعم السلام في المنطقة وتركز دول الشرق الأوسط على التنمية الاقتصادية والإزدهار كما حدث في أوروبا وجنوب شرق آسيا ومناطق أخرى في العالم.

