عاد اسم ديب سيك إلى واجهة سباق الذكاء الاصطناعي العالمي مع إطلاق نموذجه الجديد DeepSeek V4، لكن هذه العودة لم تكن صاعقة مثل لحظة ظهور R1 التي أربكت واشنطن ووادي السيليكون في 2025.
هذه المرة، بدا المشهد أكثر برودة: الصين تتقدم، نعم، لكنها لا تكسر الفجوة، تقلل الكلفة، ترفع الكفاءة، وتدفع بنماذج مفتوحة المصدر، لكنها لا تزال متأخرة عن أقوى النماذج الأمريكية المغلقة في قدرات التفكير المعقد والمهام الوكيلة والسباق الحقيقي نحو الذكاء الاصطناعي الحدودي.
نموذج جديد.. لكن ليس ضربة قاضية
أطلقت DeepSeek نموذجها الجديد V4 في نسختين رئيسيتين: V4-Pro وV4-Flash، النسخة الأولى موجهة للمهام الأقوى مثل البرمجة المعقدة، التفكير المنطقي، والمهام الوكيلة، بينما تركز النسخة الثانية على السرعة والكلفة المنخفضة.
ووفق رويترز، يتميز النموذج بنافذة سياق تصل إلى مليون رمز، كما جرى تكييفه للعمل على رقائق هواوي Ascend ضمن مسعى صيني أوسع لتقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية.
هذا التطور مهم لأنه يقول إن DeepSeek لم تعد تكتفي ببناء نموذج قوي، بل تحاول بناء نموذج متوافق مع بنية صينية بديلة عن Nvidia.
ومع ذلك، تشير التقارير إلى أن V4، رغم قوته بين النماذج المفتوحة، لا يتجاوز أقوى النماذج الأمريكية المغلقة مثل أحدث إصدارات GPT وGemini وClaude.
وقد نقلت وكالة أسوشيتد برس أن DeepSeek نفسها تضع نموذجها في موقع منافس قوي لبعض الإصدارات السابقة، لكنه لا يزال خلف النماذج الأمريكية الأحدث مثل GPT-5.4 وGemini 3.1-Pro.
لا تزال الإختبارات المحايدة تظهر تخلف النماذج الصينية عن نظيرتها الأمريكية هذا إلى جانب مخاوف عن الخصوصية خصوصا وأن الصين ليس لها تشديد اتجاه معالجة بيانات المستخدمين عكس الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي.
لماذا لم يكرر V4 صدمة R1؟
عندما ظهر DeepSeek R1، أحدث صدمة لأنه قدم قدرات تفكير قوية بتكلفة أقل بكثير مما اعتاد عليه السوق، بدا للوهلة الأولى أن الصين وجدت طريقة لكسر احتكار وادي السيليكون من خلال اصدار نموذج ذكي، رخيص، ومفتوح نسبيًا، لذلك أثار قلقًا في واشنطن، ليس فقط لأنه نموذج صيني، بل لأنه هدد فكرة أن التفوق الأمريكي يحتاج بالضرورة إلى إنفاق فلكي ورقائق لا نهائية.
لكن V4 جاء في سياق مختلف إذ أن السوق أصبح أكثر وعيًا والشركات الأمريكية تقدمت هي الأخرى، والنماذج الحدية تحسنت بسرعة، من OpenAI إلى جوجل واكس وAnthropic.
بحسب ما نقلته تقارير عن Bloomberg، فإن V4 “لا يضيق بشكل ملموس” الفجوة مع الولايات المتحدة، كما قال كريس ماكغواير من مجلس العلاقات الخارجية إن النموذج “ليس منافسًا للنماذج الأمريكية الحدية، ولا يبدو أنه يغلق الفجوة مع الولايات المتحدة”، ونقلت مواقع تقنية هذه القراءة بوصفها خلاصة أساسية لإطلاق V4.
هذه ليست ضربة قاتلة لـ DeepSeek، لكنها تعيد وضع الشركة في حجمها الحقيقي وهي أنها لاعب صيني شديد الكفاءة، قادر على إزعاج السوق، لكنه لا يزال يطارد القمة الأمريكية بدل أن يقودها.
الرقائق هي ساحة الحرب الحقيقية
كل نقاش عن سباق الذكاء الاصطناعي يعود في النهاية إلى الرقائق، إذ أن النماذج لا تتدرب في الفراغ حيث خلف كل نموذج متقدم توجد آلاف أو عشرات الآلاف من وحدات معالجة الرسوميات، ومراكز بيانات، وشبكات ربط فائقة السرعة، وبرمجيات تشغيل وتحسين، وفِرق تستطيع التجريب مرارًا.
هنا تعاني الصين، إذ أن القيود الأمريكية على تصدير رقائق Nvidia المتقدمة، مثل H100 وH200 وبعض عائلات Blackwell، دفعت الشركات الصينية إلى استخدام بدائل أقل قوة أو رقائق مخصصة للسوق الصينية بقيود معينة.
وهذا لا يقتل التطوير لكنه يبطئه، والفرق بين أن تنهي دورة تدريب في ثلاثة أشهر أو ستة أشهر ليس تفصيلًا، بل قد يعني أن منافسك يطلق جيلين بينما أنت تنهي جيلًا واحدًا.
ومن المعلوم أن الجيل الديد V4 جرى تكييفه مع رقائق هواوي Ascend، وهذه الخطوة تعكس محاولة صينية لتقليل الاعتماد على العتاد الأجنبي، لكنها تذكر أيضًا أن التحديات مستمرة بسبب تخلف هواوي عن Nvidia في بعض الجوانب، وارتفاع تكاليف نسخة Pro إلى حين توسع البنية المحلية.
هواوي في قلب المعركة
أهم ما في DeepSeek V4 ليس فقط النموذج نفسه، بل ارتباطه المتزايد برقائق هواوي، إذ لا تريد الصين أن تبقى رهينة Nvidia لذلك يصبح تكييف V4 مع Huawei Ascend خطوة سياسية وتقنية في آن واحد.
وتؤكد تقارير متطابقة أن شركات تقنية صينية كبرى، بينها ByteDance وTencent وAlibaba، سارعت بعد إطلاق V4 إلى تأمين رقائق هواوي، وأن الطلب على رقائق Ascend ارتفع بقوة، مع توقعات بضغط على الإمدادات بسبب قيود معدات تصنيع الرقائق، كما أشارت إلى أن هواوي تستهدف شحن مئات الآلاف من الرقائق في 2026 مع بدء الإنتاج الواسع منتصف العام.
هذا يعني أن إطلاق V4 تحول إلى تصويت ثقة في مسار صيني كامل: نموذج صيني، رقائق صينية، سحابة صينية، ومستخدمون صينيون، وهذا بالضبط ما تريده بكين: منظومة ذكاء اصطناعي أقل تعرضًا للعقوبات وأكثر قدرة على البقاء إذا اشتدت الحرب التكنولوجية.
وهذا يعني أن التطبيق موجه أكثر للداخل الصيني حيث هناك رقابة على المعلومات المتداولة وليس هناك حرية تعبير واسعة كما هو الحال في الأسواق العالمية.
الصين تواصل سرقة التقنيات الأمريكية
جزء آخر من الجدل يتعلق باتهامات أمريكية بأن بعض النماذج الصينية تستفيد من “تقطير” نماذج أمريكية، أي تدريب نموذج أصغر أو أرخص على مخرجات نموذج أقوى.
هذه الاتهامات ظهرت مع DeepSeek سابقًا، وعادت في نقاش V4، حيث تتهم شركات أمريكية منافسين صينيين بالاعتماد على معرفة مستخرجة من النماذج الأمريكية بدل بناء كل شيء من الصفر.
أسوشيتد برس ذكرت أن DeepSeek تواجه اتهامات من OpenAI وAnthropic بأنها اعتمدت على تقطير نماذج أمريكية، كما أثار مسؤولون أمريكيون مخاوف مشابهة حول استغلال الشركات الصينية لتقنيات أمريكية.
هذه الاتهامات صعبة الإثبات للجمهور، لكنها مهمة سياسيًا. فإذا كانت الصين تبني نماذج منخفضة التكلفة عبر الاستفادة من مخرجات النماذج الأمريكية، فهذا يعني أن التفوق الأمريكي لا يُستخدم فقط في السوق، بل يُعاد تدويره داخل منافسين استراتيجيين.
أما من وجهة نظر الصين، فإن المعرفة تنتقل دائمًا في كل صناعة، والغرب نفسه استفاد تاريخيًا من الانفتاح العلمي والتقني.

