كيف بدأت ماكدونالدز؟ فيلم The Founder الذي فضح حقيقتها!

عندما نفكر في ماكدونالدز، يتبادر إلى الذهن صورة القوس الذهبي الشهير، وجبات البرغر السريعة، والفروع التي تنتشر في كل ركن من أركان العالم.

لكن وراء هذا النجاح الهائل تكمن قصة معقدة مليئة بالطموح، الابتكار، والجدل، قصة ماكدونالدز ليست مجرد حكاية نجاح تجاري، بل هي درس في ديناميكيات الأعمال، الأخلاق، وحتى الصراعات الإنسانية.

في هذه المقالة، نروي القصة الحقيقية لتأسيس ماكدونالدز، وكيف تحولت من مطعم صغير في كاليفورنيا إلى أكبر سلسلة مطاعم في العالم، مع تسليط الضوء على الأسباب التي أدت إلى مقاطعتها من قبل البعض بعد انتشار قصتها.

البداية: الأخوين مكدونالد وفكرة ثورية

في عام 1940، في مدينة سان برناردينو بولاية كاليفورنيا، أسس الأخوان ريتشارد وموريس (الملقب بـ”ماك”) مكدونالد مطعماً صغيراً يحمل اسم عائلتهما.

لم يكن هذا المطعم مجرد مكان لبيع الطعام، بل كان تجسيداً لفكرة ثورية في عالم المطاعم: نظام الخدمة السريعة (Speedee Service System).

كان الأخوان مكدونالد يملكان رؤية واضحة: تقديم طعام بسيط، بأسعار معقولة، وبسرعة فائقة.

في عام 1948، أغلقا مطعمهما لمدة ثلاثة أشهر لإعادة تصميمه بالكامل، تخلصا من القائمة الطويلة التي كانت تحتوي على عشرات الأصناف، وركزا على الأكثر شعبية: برغر بـ15 سنتاً، بطاطس مقلية، وميلك شيك.

أعادوا تصميم المطبخ بحيث يكون مثل خط إنتاج في مصنع، مما جعل تحضير الطعام أسرع وأكثر كفاءة، كانت هذه الفكرة بمثابة ثورة في عالم المطاعم، وسرعان ما جذبت انتباه الزبائن.

نجح المطعم بشكل كبير، وأصبح الأخوان مكدونالد رائدين في مفهوم الوجبات السريعة. لكنهما كانا حذرين في التوسع. حاولا منح امتيازات (فرانشايز) لبعض المطاعم، ووصل عددها إلى تسعة فروع، لكنهما واجها صعوبات في الحفاظ على جودة الطعام عند التوسع بعيداً عن سان برناردينو، كانا يريدان الحفاظ على بساطة وكفاءة فكرتهما دون المساومة على الجودة.

دخول راي كروك: الرجل الذي غيّر كل شيء

في عام 1954، ظهر شخصية جديدة في القصة: راي كروك، بائع آلات الميلك شيك الذي كان يعاني من تقلبات الحياة المهنية.

كان كروك في الخمسينيات من عمره، وقد عمل في مهن متنوعة، من بيع الأكواب الورقية إلى العزف على البيانو.

عندما تلقى طلباً من مطعم مكدونالدز لشراء ثمانية من آلات الميلك شيك الخاصة به، شعر بالفضول، مطعم واحد يطلب ثمانية آلات؟ هذا يعني أنه يبيع كميات هائلة من الميلك شيك!

سافر كروك إلى سان برناردينو لزيارة المطعم، وما رآه أذهله، كان المطعم يعج بالزبائن، والعمليات تسير بسلاسة وسرعة غير مسبوقة.

رأى كروك فرصة ذهبية لتحويل هذا المطعم المحلي إلى إمبراطورية وطنية وربما عالمية، اقترح على الأخوين مكدونالد أن يصبح وكيل الامتياز الخاص بهما، ووافقا بعد نقاشات طويلة.

بدأ كروك في نشر فكرة مكدونالدز بطموح لا حدود له. افتتح أول فرع بإشرافه في عام 1955 في ديس بلينز بولاية إلينوي، وسرعان ما بدأ في منح الامتيازات في جميع أنحاء الولايات المتحدة.

لكن هذا التوسع لم يكن خالياً من التحديات، كان الأخوان مكدونالد متمسكين بمعايير الجودة والتحكم في العمليات، بينما كان كروك يريد التوسع بأسرع ما يمكن، حتى لو تطلب ذلك تغييرات في النموذج الأصلي.

الصراع: كروك ضد الأخوين مكدونالد

مع مرور الوقت، بدأت التوترات تتصاعد بين كروك والأخوين مكدونالد، كان الأخوان يرفضان التغييرات التي اقترحها كروك، مثل استخدام خليط الميلك شيك المجفف بدلاً من الآيس كريم الحقيقي لتوفير التكاليف.

كما كانا متمسكين باتفاقية الامتياز التي كانت تعطيهما 0.5% من أرباح كل فرع، بينما يحصل كروك على 1.9% وشعر كروك أن هذه الاتفاقية تقيده، خاصة وأنه كان يكافح مالياً لتمويل التوسع السريع.

في عام 1961، وصل الصراع إلى ذروته، قرر كروك أنه يريد السيطرة الكاملة على الشركة، عرض على الأخوين مكدونالد شراء الشركة مقابل 2.7 مليون دولار، وهو مبلغ ضخم في ذلك الوقت (يعادل حوالي 28 مليون دولار في عام 2024).

وافق الأخوان على الصفقة، التي ضمنت لكل منهما مليون دولار بعد خصم الضرائب، لكنهما اشترطا الاحتفاظ بالمطعم الأصلي في سان برناردينو، والذي أعادا تسميته لاحقاً إلى “The Big M”.

لكن هنا بدأت القصة تأخذ منعطفاً مثيراً للجدل، وفقاً لفيلم “The Founder” (المؤسس) الصادر عام 2016، والذي استند إلى سيرة كروك وبعض المصادر غير الرسمية، لم يكتفِ كروك بشراء الشركة، بل سعى لمحو الأخوين مكدونالد من تاريخها.

افتتح مطعماً جديداً لماكدونالدز بالقرب من “The Big M”، مما أدى إلى إغلاقه بعد ست سنوات بسبب المنافسة.

كما يُزعم أن كروك لم يلتزم بـ”اتفاقية مصافحة” (غير مكتوبة) لدفع نسبة من الأرباح المستقبلية للأخوين، مما تركهما دون أي عائد إضافي من الإمبراطورية التي بناها كروك على فكرتهما.

الحقيقة وراء الجدل حول قصة ماكدونالدز

فيلم “The Founder”، الذي قام ببطولته مايكل كيتون بدور كروك، نيك أوفرمان وجون كارول لينش بدور الأخوين مكدونالد، نال إشادة واسعة بسبب تصويره الدرامي للقصة. لكنه أثار جدلاً بسبب المبالغات والتعديلات الفنية. على سبيل المثال:

  • اتفاقية الرويالتي: يُظهر الفيلم أن كروك وعد الأخوين بنسبة أرباح مستقبلية عبر “مصافحة”، لكنه لم يفِ بوعده، لكن مصادر أخرى، بما في ذلك مقابلة مع ريتشارد مكدونالد في صحيفة نيويورك تايمز عام 1998، تشير إلى أن الأخوين كانا راضيين عن الصفقة ولم يعبّرا عن أي ندم.

  • خليط الميلك شيك: يُصور الفيلم أن فكرة استخدام خليط الميلك شيك المجفف جاءت من جوان كروك، زوجة راي الثالثة، لكن في الواقع، كان كروك على دراية بهذا المنتج من خلال عمله السابق كبائع آلات الميلك شيك.

  • القوس الذهبي: يُنسب الفيلم تصميم القوس الذهبي إلى ريتشارد مكدونالد، لكن الحقيقة أن المهندس المعماري ستانلي كلارك ميستون هو من صممه.

على الرغم من هذه المبالغات، فإن الفيلم نجح في إبراز جانب مظلم من قصة كروك: طموحه الذي تجاوز أحياناً حدود الأخلاق التجارية.

يرى البعض أن كروك “سرق” فكرة الأخوين، بينما يرى آخرون أنه هو من حولها إلى إمبراطورية عالمية بفضل رؤيته وجرأته.

لماذا أثارت قصة ماكدونالدز غضباً ومقاطعة؟

بعد عرض فيلم “The Founder”، انتشرت القصة على نطاق واسع، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي مثل Reddit، حيث عبر الكثيرون عن غضبهم من تصرفات كروك.

كتب أحد المستخدمين: “لقد انتهيت للتو من مشاهدة الفيلم، وأستطيع القول إنني أكره راي كروك رسمياً، لقد استغل الأخوين وسحق حلمهما”.

شعر العديد من المشاهدين بالتعاطف مع الأخوين مكدونالد، اللذين بدا أنهما خُدعا من قبل رجل أعمال لا يرحم.

هذا الشعور دفع البعض إلى مقاطعة ماكدونالدز، معتبرين أن الشركة بُنيت على ظلم الأخوين، كما أن الفيلم أثار نقاشات حول أخلاقيات الرأسمالية وكيف يمكن أن تؤدي المنافسة الشرسة إلى نتائج غير عادلة.

ومع ذلك، يجدر الإشارة إلى أن ماكدونالدز اليوم تعترف بدور الأخوين في تاريخها، يحتوي موقع الشركة الرسمي على قسم مخصص يروي قصتهما ويُسلط الضوء على ابتكارهما لنظام الخدمة السريعة.

تحت قيادة راي كروك، تحولت ماكدونالدز إلى أكبر سلسلة مطاعم في العالم، بحلول وفاته في عام 1984، كانت الشركة تملك آلاف الفروع وتُعتبر رمزاً للرأسمالية الأمريكية.

لكن هذا النجاح جاء مع ثمن، الأخوين مكدونالد، على الرغم من حصولهما على مبلغ محترم في ذلك الوقت، لم يحصلا على التقدير الكامل لدورهما في إنشاء النموذج الأصلي.

اليوم، تستمر ماكدونالدز في مواجهة انتقادات، سواء بسبب تاريخها المثير للجدل، جودة طعامها، أو تأثيرها على البيئة والصحة العامة، لكن لا يمكن إنكار أنها غيّرت طريقة تناولنا للطعام، وهي تُعتبر دراسة حالة في عالم الأعمال.