
رست سفينة الرحلات الاستكشافية “إم في هونديوس”، التي ترفع العلم الهولندي، قبالة ميناء برايا في الرأس الأخضر يوم الأحد، وعلى متنها ثلاثة ركاب متوفين وثلاثة مصابين على الأقل.
وأكدت منظمة الصحة العالمية حالة إصابة بفيروس هانتا من خلال الفحوصات المخبرية، بالإضافة إلى خمس حالات مشتبه بها.
ولا يزال راكب بريطاني في حالة حرجة في أحد مستشفيات جوهانسبرغ، وكانت السفينة قد غادرت أوشوايا، الواقعة في أقصى جنوب الأرجنتين، قبل نحو ستة أسابيع، وتوقفت منذ ذلك الحين في القارة القطبية الجنوبية وجزيرة سانت هيلينا النائية.
حتى الآن تقول منظمة الصحة العالمية أن الأمور تحث السيطرة ولا داعي للقلق، لكن كل شيء وارد والتغييرات الكبرى محتملة.
عائلة فيروس هانتا
عندما تقرأ مصطلح “فيروس هانتا” في خبر، قد يتبادر إلى ذهنك بسهولة مسبب مرض واحد، كما هو الحال مع فيروس سارس-كوف-2 أو الحصبة، لكن الأمر ليس كذلك.
يشير الاسم إلى عائلة كاملة من الفيروسات المتشابهة، يحمل كل منها نوع معين من القوارض، ويعيش كل منها في نطاق جغرافي محدد، ويتصرف كل منها بشكل مختلف داخل جسم الإنسان.
فيروسات هانتا المنتشرة بين الفئران في جنوب غرب الولايات المتحدة الأمريكية تختلف عن تلك المنتشرة في آسيا أو أمريكا الجنوبية، كما أن الأعراض السريرية التي تسببها مختلفة، وكذلك طرق انتشارها.
أما الأنواع الأكثر أهمية لفهم فيروس هانتا المنتشر على متن السفينة السياحية فهي فيروسات هانتا في العالم الجديد، والتي يمكن أن تسبب متلازمة هانتا الرئوية، وهي مرض تنفسي تتسرب فيه الأوعية الدموية الصغيرة في الرئتين، ويتجمع السائل في الحويصلات الهوائية، ويتعطل تبادل الأكسجين.
ولا يوجد علاج مضاد للفيروسات محدد لها، الرعاية المقدمة داعمة، وحتى مع الرعاية المركزة، فإن حوالي ثلث المرضى المصابين بالشكل الرئوي من المرض لا ينجون.
هذا المعدل المرتفع للوفيات، الذي أبلغت عنه مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها لسنوات، هو السبب وراء ضرورة إيلاء اهتمام جاد لأي حالة مؤكدة من فيروس هانتا في أي مكان.
فيروس الأنديز
تتبع جميع حالات الإصابة بفيروس هانتا المُوثّقة تقريبًا نفس النمط الأساسي، يستنشق الشخص جزيئات مُنتشرة في الهواء من بول أو براز أو لعاب قارض مُصاب (على سبيل المثال، أثناء تنظيف حظيرة أو كوخ أو علية أو قبو كانت تعيش فيه الفئران)، لا ينتقل الفيروس بين البشر، بل يُصاب به الشخص من القارض.
مع ذلك، هناك استثناء واحد، وهو السبب وراء اهتمام جميع أخصائيي الأمراض المعدية الذين اطلعوا على عناوين الأخبار بهذه القصة المتعلقة بسفينة الرحلات البحرية.
فيروس الأنديز هو نوع من فيروسات هانتا ينتشر بين قارض مُحدد (وخاصةً جرذ الأرز القزم طويل الذيل) في جنوب الأرجنتين وتشيلي، في نفس المنطقة التي انطلقت منها سفينة إم في هونديوس، وهو فيروس هانتا الوحيد الذي تم توثيق انتقاله من شخص لآخر بشكل واضح في المراجع الطبية، على الرغم من أن سلاسل العدوى الموثقة صغيرة والأحداث نادرة، إلا أنها حقيقية، وهي السبب وراء تعامل وكالات الصحة العامة في أمريكا الجنوبية مع حالات الإصابة المشتبه بها بفيروس الأنديز بشكل مختلف عن باقي عائلة فيروسات هانتا.
لذا، عندما تصل سفينة كانت تقل ركابًا في أوشوايا إلى الميناء بعد ستة أسابيع وعلى متنها عدد من الركاب المرضى وثلاث وفيات، فإن سيناريوهين مختلفين تمامًا واردان.
في السيناريو الأول، التقطت السفينة قوارض في مكان ما ضمن سلسلة إمدادها أو في الميناء، وكانت هذه القوارض حاملة لفيروس هانتا، وتعرض العديد من الركاب بشكل منفصل لتلوث القوارض على متن السفينة. هذا السيناريو غير معتاد ولكنه وارد.
أما في السيناريو الثاني، فقد أصيب أحد الركاب بفيروس الأنديز قبل الصعود إلى السفينة أو خلال توقف مبكر في الميناء، ثم انتقل الفيروس بين الركاب، وهذا السيناريو أكثر غرابة وإثارة للقلق.
ستكون هذه إحدى أكبر حالات انتقال فيروس هانتا من شخص لآخر الموثقة، وسيكون لها تأثيرات طفيفة على كيفية إجراء الفحوصات الطبية على متن السفن السياحية، ورحلات الاستكشاف، ومراقبة تفشي الأمراض في المناطق التي ينتشر فيها فيروس الأنديز.
أشار بيان منظمة الصحة العالمية تحديدًا إلى أن عملية تحديد تسلسل الفيروس لا تزال جارية، هذا التسلسل هو ما سيحدد ما إذا كان فيروس الأنديز أو فيروس هانتا آخر، يتميز فيروس الأنديز ببصمة جينية مميزة، لذا فإن اكتمال هذه الاختبارات مسألة وقت لا أكثر.
بعض التحفظات
حتى وقت كتابة هذا التقرير، تم تأكيد إصابة شخص واحد فقط من بين المصابين الستة بفيروس هانتا مخبريًا، أما البقية، فيُشتبه بإصابتهم بناءً على الأعراض السريرية والارتباط الوبائي، وهو أمر منطقي، ولكنه بالطبع لا يُعد تأكيدًا قاطعًا.
من المحتمل أيضًا أن تتضمن الصورة النهائية وجود عامل ممرض ثانٍ مصادفةً (مسؤول عن الوفيات/الأمراض الأخرى)، أو حالة مصنفة بشكل خاطئ، أو تفاصيل مُعدّلة حول بيئة السفينة تُغيّر من تفسير النتائج.
تجدر الإشارة أيضًا إلى أن فيروسات هانتا ليست جديدة وليست نادرة بالمعنى المطلق، إذ يتم تشخيص أكثر من 100 ألف إصابة بفيروس هانتا سنويًا على مستوى العالم، معظمها في آسيا، وغالبًا ما تكون مصحوبة بمتلازمة كلوية وليست رئوية.
إن تفشي الفيروس على متن سفينة سياحية، والذي يُتداول خبره حاليًا، غير معتاد بسبب الظروف والموقع الجغرافي، وليس لأن الفيروس نفسه جديد.
