فنزويلا أغنى وأفضل

بعد اعتقال الديكتاتور الفنزويلي نيكولاس مادورو، دخلت فنزويلا مرحلة سياسية غير مسبوقة تفتح الباب أمام تحوّل جذري في بنية الدولة والإقتصاد.

فالدولة التي عاشت سنوات طويلة تحت حكم استبدادي دمّر مؤسساتها، باتت اليوم أمام احتمال الانتقال إلى نظام ديمقراطي يسمح للشعب الفنزويلي بالاستفادة الفعلية من واحدة من أكبر الثروات النفطية على وجه الأرض.

هذا التحول لا يمكن فصله عن الدور الأمريكي المباشر، سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، ولا عن الرؤية التي عبّر عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن مستقبل فنزويلا وموقعها في النظام الاقتصادي العالمي.

السيطرة الأمريكية المؤقتة مفيدة لدولة فنزويلا

ترامب لم يُخفِ طبيعة المقاربة الأمريكية، فقد صرّح بأن تكاليف العملية العسكرية ضد مادورو وزوجته، سيليا فلوريس، ستُغطى من عائدات النفط الفنزويلي نفسه.

التصريح، وإن بدا صادمًا أخلاقيًا للبعض، يعكس منطقًا أمريكيًا قديمًا حيث التدخل يكون حين تتقاطع المصالح السياسية مع الثروات الاستراتيجية.

وفق هذا التصور، ستخضع فنزويلا لمرحلة سيطرة أمريكية مؤقتة، لا بوصفها احتلالًا تقليديًا، بل كوصاية انتقالية تهدف إلى تأمين انتقال سلمي للسلطة، وإعادة تشغيل الدولة ومؤسساتها الاقتصادية، خصوصًا قطاع الطاقة.

سيكون ذلك حتى إقامة انتخابات جديدة وربما أيضا القيام بتعديلات دستورية تضمن قيام ديمقراطية حقيقية في هذا البلد اللاتيني.

كما أن السيطرة تمنع حاليا أي انقلاب عسكري جديد أو فوضى واسعة في هذا البلد الذي ينتظر حاليا شعبه الإنتقال إلى نظام جديد مستقر وأن ترفع عنه الولايات المتحدة العقوبات.

احتياطات فنزويلا من النفط العالمي

تمتلك فنزويلا ما يقارب 17٪ من إجمالي الاحتياطيات النفطية العالمية، بحسب بيانات منظمة الدول المصدرة للنفط. هذا الرقم وحده كافٍ لفهم سبب الإصرار الأمريكي على إعادة دمج فنزويلا في السوق العالمية، لا كدولة منبوذة، بل كلاعب مركزي في سوق الطاقة.

هذه الاحتياطيات تفوق احتياطيات السعودية من حيث الحجم الخام، وهو ما يفتح الباب أمام سيناريو اقتصادي بالغ الطموح، ألا وهو في حال استعادة قدرتها الإنتاجية، قد تتحول فنزويلا خلال عقد واحد إلى دولة أغنى من السعودية من حيث العائدات النفطية الإجمالية، لا سيما إذا جرى استغلال الاحتياطي بكفاءة رأسمالية وتكنولوجية غربية.

النفط الفنزويلي مطلوب خصوصا بالنسبة لأوروبا التي تعد من أكبر مستورديه وكذلك الهند التي تبحث عن بديل إضافة للنفط الروسي.

يقول خوسيه مانويل بوينتيس، الخبير الاقتصادي والأستاذ في معهد الدراسات الاقتصادية والاجتماعية (IESA) والأستاذ المشارك في كلية إدارة الأعمال IE في مدريد، متحدثًا من كاراكاس: “يُعدّ النفط العامل الأقوى الذي دفع فنزويلا إلى دوامات إيجابية أو سلبية، ومع ذلك، ورغم علمنا بوجود بديل مثالي على المدى المتوسط، لا يزال النفط يُولّد إمكانات هائلة، فالسعودية تُحقق نموًا هائلًا بفضل إنتاجها البالغ 10 ملايين برميل، بينما تمتلك فنزويلا احتياطيات تفوق احتياطيات السعودية، ومن المؤكد أن إعادة تنشيط الإنتاج، بمساعدة رؤوس الأموال الأجنبية والشركات العالمية مثل شيفرون وريبسول وشل وبي بي، قد تكون المحرك الرئيسي للاقتصاد الفنزويلي”.

النفط… لعنة قديمة وفرصة جديدة

يضيف، متحدثًا من كاراكاس، أن النفط رغم كونه مصدرًا للفساد والاستبداد في الماضي، لا يزال يمتلك إمكانات هائلة إذا أُدير ضمن نظام مؤسساتي ديمقراطي.

فالسعودية، بحسب بوينتيس، تحقق نموًا اقتصاديًا ضخمًا بفضل إنتاجها الذي يبلغ نحو 10 ملايين برميل يوميًا، في حين أن فنزويلا تمتلك احتياطيات تفوق ذلك بكثير، لكنها لم تستطع تحويلها إلى إنتاج فعلي بسبب العزلة والعقوبات وسوء الإدارة.

التحول السياسي يفتح تلقائيًا شهية الشركات العالمية، والحديث يدور بالفعل عن دور محوري لشركات عملاقة مثل شيفرون، ريبسول، شل وبي بي في إعادة تشغيل الحقول الفنزويلية.

هذه الشركات لا تجلب معها رأس المال فقط، بل التكنولوجيا، والخبرة، والانضباط المؤسسي، وكلها عناصر غابت لعقود عن قطاع النفط الفنزويلي.

ومع عودة الاستثمار الأجنبي، يمكن للإنتاج أن يرتفع تدريجيًا إلى مستويات تنافس  بل تتجاوز كبار المنتجين في الشرق الأوسط.