نزيه الأحدب

أثار الإعلامي اللبناني نزيه الأحدب موجة غضب واسعة بعد نشره تغريدة أشاد فيها برئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، لكنه أرفق مديحه باتهامات خطيرة وغير مثبتة ربط فيها ما يجري في سبتة بإسرائيل وأجهزة استخبارات، قبل أن يستخدم تعبير «الغوغاء» في سياق اعتبره مغاربة مهينًا ومسيئًا لهم.

وكتب الأحدب في حسابه على منصة «إكس»: «بيدرو سانشيز البطل، رئيس وزراء إسبانيا، الذي ناصر المستضعفين في فلسطين، تسعى “إسرائيل” لتدفيعه أثمان مواقفه السياسية الإنسانية بالتعاون مع بعض أجهزة الاستخبارات والغوغاء».

وجاءت التغريدة تعليقًا على منشور لسانشيز بشأن أزمة سبتة، قال فيه رئيس الوزراء الإسباني إن ما حدث يمثل «هجومًا على السلامة الإقليمية لإسبانيا» ويستحق أقوى إدانة ممكنة، في وقت كانت فيه مدريد تواجه أزمة غير مسبوقة بعد عبور عشرات الآلاف من الأشخاص من الأراضي المغربية نحو المدينة الخاضعة للإدارة الإسبانية.

كلمة «الغوغاء» تضع الأحدب في قلب الجدل

المشكلة في تغريدة نزيه الأحدب لم تكن فقط في تبنيه رواية سياسية مثيرة للجدل، وإنما في اللغة التي استخدمها عند الحديث عن الأشخاص الذين شاركوا في موجة العبور نحو سبتة.

فكلمة «الغوغاء» تحمل في العربية دلالة ازدرائية واضحة، وتستخدم عادة لوصف جماعات ينظر إليها باعتبارها فوضوية أو جاهلة أو مدفوعة بالانفعال من دون وعي، وهو ما جعل كثيرين يقرأونها باعتبارها إهانة مباشرة للمغاربة الذين ظهروا في مشاهد الأزمة.

وبصرف النظر عن موقف أي شخص من الطريقة التي جرت بها عمليات العبور أو من مسؤولية السلطات المغربية والإسبانية عنها، فإن اختزال عشرات الآلاف من الأشخاص في وصف مهين لا يقدم تفسيرًا سياسيًا جديًا لما حدث، بل يحول أزمة معقدة إلى تصنيف أخلاقي لجمهور كامل.

اتهام إسرائيل بلا دليل

تضمنت التغريدة أيضًا اتهامًا ضمنيًا لإسرائيل بأنها تعمل على «تدفيع» بيدرو سانشيز ثمن مواقفه المؤيدة للفلسطينيين، من خلال التعاون مع «بعض أجهزة الاستخبارات» وما سماه الأحدب «الغوغاء».

لكن حتى الآن لا توجد أدلة علنية تثبت أن إسرائيل خططت لأزمة سبتة أو نظمت موجة العبور الجماعي إلى المدينة.

وقد انتشرت بالفعل خلال الأيام الماضية روايات ونظريات تتهم إسرائيل بالوقوف وراء الأزمة، خصوصًا في ظل التوتر الشديد بين حكومة سانشيز والحكومة الإسرائيلية بشأن الحرب في غزة، إلا أن التقارير التي تناولت تلك المزاعم فرقت بوضوح بين الشبهات السياسية وبين وجود دليل يمكن التحقق منه.

حتى بعض النقاشات الإسبانية حول الأزمة تحدثت عن احتمال وجود جهات خارجية تستفيد سياسيًا منها، لكن تحويل الاحتمال إلى اتهام مباشر يحتاج إلى أدلة لا توفرها التغريدة.

سانشيز نفسه لم يتهم إسرائيل

المفارقة أن بيدرو سانشيز، الذي حاول الأحدب الدفاع عنه، لم يذهب في خطابه العلني إلى تحميل إسرائيل مسؤولية ما حدث.

ففي تعليقه على الأزمة، وصف سانشيز موجة العبور بأنها اعتداء على السلامة الإقليمية لإسبانيا، بينما ركزت مواقف الحكومة الإسبانية اللاحقة على شبكات تهريب البشر والخلل في إدارة الحدود والخلاف الأوروبي بشأن كيفية التعامل مع أزمة سبتة.

كما تحركت مدريد للضغط من أجل موقف أوروبي أكثر تضامنًا، وانتقد سانشيز ما اعتبره ردود فعل أوروبية مبنية على «الأحكام المسبقة والمعلومات المضللة والهجمات» لأغراض سياسية.

وبالتالي، فإن ربط الأزمة مباشرة بمؤامرة إسرائيلية يمثل تفسيرًا أضافه ناشطون ومعلقون إلى الحدث أكثر مما يمثل الموقف الرسمي لرئيس الوزراء الإسباني نفسه.

لماذا دخلت إسرائيل أصلًا في روايات أزمة سبتة؟

لا يأتي هذا الربط من فراغ كامل، إذ تمر العلاقات الإسبانية الإسرائيلية بواحدة من أسوأ مراحلها خلال السنوات الأخيرة.

وحافظت حكومة سانشيز على موقف شديد الانتقاد للعمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، كما دخلت مدريد في مواجهات سياسية ودبلوماسية متكررة مع حكومة بنيامين نتنياهو.

ولهذا، بمجرد وقوع أزمة كبرى تهدد حكومة سانشيز، ظهرت سريعًا رواية تقول إن إسرائيل قد تكون المستفيد السياسي منها أو حتى الطرف الذي ساعد على تحريكها.

وزادت هذه التكهنات بعد ظهور تصريحات وشهادات سياسية إسبانية تلمح إلى دور إسرائيلي محتمل، فيما تحولت منشورات قديمة وتصريحات متفرقة إلى مادة تستخدم لدعم نظرية المؤامرة.

لكن وجود خصومة سياسية بين دولتين لا يشكل دليلًا على تنفيذ عملية استخباراتية، وهي النقطة التي تضيع غالبًا عندما تنتقل الأزمات من التقارير الصحفية إلى ساحات مواقع التواصل الاجتماعي.

المغاربة بين أزمة سياسية وخطاب مهين

تغريدة الأحدب تثير أيضًا سؤالًا أوسع عن الطريقة التي يجري بها الحديث عن المغاربة في التغطية العربية لأزمة سبتة. فالأشخاص الذين شاركوا في موجة الهجرة لم يكونوا كتلة واحدة يمكن وصفها بتعبير واحد. بينهم مهاجرون يبحثون عن فرصة للوصول إلى أوروبا، وقاصرون، وأشخاص استغلوا الفوضى الحدودية، وآخرون ربما تحركوا نتيجة معلومات وشائعات انتشرت على شبكات التواصل.

كما أن الجدل بشأن دور السلطات المغربية، ومدى قدرتها على منع موجة العبور، والعلاقة بين الرباط ومدريد، يمثل ملفًا سياسيًا مختلفًا عن الحكم على الأشخاص أنفسهم.

ولذلك فإن استخدام وصف مثل «الغوغاء» لا يساعد على فهم الأزمة، بل يمنح الخطاب السياسي بعدًا استعلائيًا يمكن أن يُفهم باعتباره إساءة إلى المغاربة عمومًا.

اقرأ أيضا: وثيقة رسمية تمهد لاعتراف أمريكا بمغربية سبتة ومليلية