كشفت دفعة جديدة من الوثائق المسرّبة في قضية جيفري إبستين عن علاقات خفيّة جمعت المموّل الأمريكي المدان بجرائم الإتجار الجنسي بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إضافة إلى صلات مباشرة بعالم الجريمة المنظمة الروسية، فيما وصفه مسؤولون أمنيون غربيون بأنه قد يكون «أكبر عملية ابتزاز جنسي في العالم».
وجاءت هذه المعلومات ضمن ملايين الوثائق التي أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية يوم الجمعة 30 يناير، في إطار قانون الشفافية الخاص بملفات إبستين.
وتشمل التسريبات نحو ثلاثة ملايين صفحة، و180 ألف صورة، وأكثر من 2000 مقطع فيديو، ما أحدث صدمة واسعة في الأوساط السياسية والأمنية الدولية.
وتؤكد الوثائق أن ورود الأسماء لا يعني بالضرورة تورطًا جنائيًا، إلا أنها تكشف شبكة علاقات غير مسبوقة بين إبستين ودوائر نفوذ عالمية، من بينها الكرملين والمافيا الروسية، إضافة إلى شخصيات سياسية واقتصادية بارزة في الغرب.
وبحسب مصادر أمنية أمريكية، فإن إبستين كان يتمتع بعلاقات «عميقة» مع الجريمة المنظمة الروسية، بما في ذلك شخصيات يُعتقد أنها كانت تبتزّه، وهو ما قد يفسّر بحسب هذه المصادر استخدامه المتكرر لما وصفوه بـالفتيات الروسيات وقدرته على نقلهن بسهولة إلى الغرب.
ونقلت صحيفة ديلي ميل عن مصدر أمني قوله: «لديك أندرو، وبيل غيتس، ودونالد ترامب، وبيل كلينتون، وغيرهم، جميعهم في أوضاع مُحرِجة على جزيرة مليئة بالتكنولوجيا، إنها أكبر عملية مصيدة عسل في العالم».
وأضاف المصدر البريطاني نفسه: «الأمريكيون يلاحقون هذا الملف منذ سنوات، لكن طرفنا كان أكثر ترددًا، على الأرجح بسبب الصلة الملكية».
ومن بين أكثر الأدلة إثارة للجدل، رسالة إلكترونية تعود إلى عام 2011 أُرسلت إلى إبستين من مرسل مجهول، جاء فيها: «تحدثتُ مع إيغور، قال إنك في آخر مرة كنتَ فيها في بالم بيتش، أخبرته أن لديك موعدًا مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه المضي قدمًا في حجز تذكرته إلى روسيا قبل وصولك بعدة أيام».
وتُظهر رسائل أخرى أن إبستين كان يخطط للقاء جديد مع بوتين في عام 2014. وكتب رائد الأعمال الياباني جوي إيتو إلى إبستين: «مرحبًا جيفري، لم أتمكن من إقناع ريد بتغيير جدوله للذهاب معك للقاء بوتين».
ويُعتقد أن المقصود بـ«ريد» هو مؤسس لينكدإن ريد هوفمان. ولا يُعرف ما إذا كان اللقاء قد تم، لكن رسالة لاحقة أشارت إلى إلغائه بعد كارثة تحطم طائرة الخطوط الماليزية، حيث كتب إيتو: «فكرة سيئة الآن بعد حادث تحطم الطائرة».
وتتضمن الرسائل أيضًا طلبًا مباشرًا من إبستين بشأن تأشيرة روسية، حيث كتب: «هل تحتاج إلى تأشيرة روسية؟ لدي صديق لبوتين، هل أطلب منه المساعدة؟»
وفي رسالة أخرى إلى ثوربيورن ياغلاند، الأمين العام السابق لمجلس أوروبا، كتب إبستين: «اقترح على بوتين أن لافروف يمكنه الحصول على نظرة معمّقة عبر التحدث إليّ».
كما قال له إن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب «يجب أن يُنظر إليه على أنه حصل على شيء»، ليرد ياغلاند بأنه سيلتقي مساعد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لتمرير الرسالة.
وتكشف وثائق أخرى أن إبستين أبلغ حليف ترامب ستيف بانون باجتماع مرتقب بين ياغلاند وبوتين ولافروف، كما ورد في تقرير لـFBI أن إبستين «كان قريبًا من رئيس وزراء إسرائيل السابق إيهود باراك، وتلقى تدريبًا استخباراتيًا على يده».
وفي رسالة تعود إلى عام 2013، كتب إبستين إلى باراك: «سيُعيد بوتين تشكيل طاقمه خلال الصيف، ولن يُقرّب منه إلا الأشخاص الأكثر ثقة… مزيد من المعلومات عبر الهاتف أو وجهًا لوجه».
كما ربطت الوثائق إبستين بـ ماشا دروكوفا، القيادية السابقة في حركة شباب موالية لبوتين، والتي وُجهت اتهامات لشركتها بمحاولة سرقة تكنولوجيا من وادي السيليكون وقد وصفت دروكوفا إبستين، وفق إفادة لمخبر FBI، بأنه «رجل رائع».
وتُظهر الوثائق أن صلات إبستين بروسيا استمرت حتى بعد إدانته عام 2008 في قضية استغلال قاصرات، وتشير مصادر أمنية إلى أن وكالات أمريكية راقبت هذه الروابط لسنوات، في حين أبدت السلطات البريطانية ترددًا أكبر بسبب علاقته بالأمير الأمير أندرو.
وتذهب بعض المصادر إلى أن إبستين قد يكون تعرّف على عالم التجسس عبر رجل الإعلام الراحل روبرت ماكسويل، الذي توفي في ظروف غامضة عام 1991، ويُشتبه في عمله كعميل روسي واستخدامه إبستين في تمرير أموال روسية إلى الغرب.
وتوفي جيفري إبستين في زنزانته بسجن نيويورك عام 2019 أثناء انتظاره المحاكمة بتهم الاتجار الجنسي بالقاصرين، في واقعة ما تزال تثير الشكوك حتى اليوم. أما شريكته غيلين ماكسويل، فهي تقضي حاليًا حكمًا بالسجن لمدة 20 عامًا بعد إدانتها بجرائم الاتجار الجنسي والتآمر.
ومع استمرار نشر الوثائق، يبدو أن قضية إبستين لم تعد مجرد فضيحة جنسية، بل تحوّلت إلى ملف استخباراتي دولي يطال رؤساء دول، وأجهزة أمن، وشبكات نفوذ عابرة للحدود، فيما لا تزال الأسئلة الكبرى بلا إجابات.

