في فضاء عربي كثيرًا ما يُقرأ فيه التاريخ بخطيْن واضحتيْن: “صديق” و”عدو”، باتت زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى إسرائيل مناسبة لصياغة حكم مطلق: أن الهند باتت “دولة معادية”.
لكن قراءة العلاقات الهندية في الشرق الأوسط وفق هذا المنظور الضيق ليست فقط غير دقيقة، بل تتجاهل عمق استراتيجية نيودلهي التي تقوم على توازن المصالح وتعدد الأقطاب وليس على الانحياز الثنائي.
فالهند تقيم علاقات متوازنة مع إسرائيل، ومع إيران، ومع دول الخليج مثل الإمارات العربية المتحدة والسعودية، وهي في الوقت نفسه داعمة للقضية الفلسطينية وتدعو إلى تسوية تفاوضية عادلة للصراع العربي–الإسرائيلي، ما يجعلها لاعبًا محوريًا في معادلة الشرق الأوسط المتقلبة.
صداقة الهند وإسرائيل
العنوان الأبرز في السياسة الخارجية الهندية في السنوات الأخيرة هو التطور الملحوظ للعلاقة مع إسرائيل، والتي تجاوزت حدود الانفتاح الدبلوماسي التقليدي إلى شراكات اقتصادية وعسكرية استراتيجية.
في العام 2026 وقع الجانبان اتفاقيات دفاعية وتكنولوجية واسعة، وبدأ العمل على اتفاقية تجارة حرة يُتوقع أن ترفع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى مستويات أعلى من 5 مليارات دولار سنويًا، مع توقعات بزيادة الصادرات الإسرائيلية إلى الهند بنسبة تتجاوز 50٪ في الأعوام الأخيرة.
كما أعلن القادة عن شراكات في مجالات تطوير ونقل التكنولوجيا الدفاعية، ما يؤشر إلى تحول العلاقة إلى شراكة استراتيجية راسخة محورها الأمن والتكنولوجيا والاقتصاد.
هذه الشراكة لا تعني تحالفًا أمنيًا تقليديًا، لكنها تتجاوز حجم التجارة البسيط إلى اندماج وظيفي حيث الهند تستفيد من التكنولوجيا الإسرائيلية المتقدمة، وإسرائيل تستفيد من السوق الهندي الضخم والنمو الاقتصادي السريع لهذه القوة.
وهنا يتجسد نموذج جديد في العلاقات الدولية: شراكات تكاملية لا تعتمد على “الأعداء أو الأصدقاء” فقط، بل على المصلحة المشتركة والتكامل الاقتصادي الإستراتيجي.
صداقة الهند وإيران
في الوقت نفسه، لطالما حافظت نيودلهي على علاقة قوية مع طهران، إذ تعتبرها شريكًا إقليميًا مهمًا في شؤون الطاقة والنقل.
تعمل الهند في مشروع ميناء تشابهار الاستراتيجي في إيران، وهو ميناء حيوي يربطها بآسيا الوسطى ويمنحها منافذ تجارية تتجاوز التوترات في مضيق هرمز، مما يعزز أمنها الاقتصادي.
هذه العلاقة مع إيران لم تعُطِّل مسارات التعاون الاستراتيجي مع إسرائيل، بل شكلت مثالًا على قدرة السياسة الخارجية الهندية على التوازن بين مصالح متلاحمة ومتناقضة في آنٍ واحد.
مثل هذا التوازن ليس مجرد سياسة تكتيكية، بل يعكس فهم نيودلهي لطبيعة الشرق الأوسط: منطقة لا يمكن الحكم عليها بخريطة قطبية واحدة، بل بألعاب نفوذ متعددة الأبعاد، فهي ترى في إيران شريكًا جيو-اقتصاديًا، وفي إسرائيل شريكًا تكنولوجيًا، وفي دول الخليج شريكًا تجاريًا واستثماريًا أساسيًا.
صداقة الهند والخليج العربي
العلاقة مع دول الخليج، وخصوصًا الإمارات والسعودية، تمثل محورًا آخر في استراتيجية الهند.
الإمارات ليست فقط دولة صديقة، بل شريك اقتصادي حيوي، إذ يوجد عدد ضخم من العمالة الهندية في دول الخليج التي ترسل تحويلات مالية ضخمة تدعم الاقتصاد الهندي.
علاوة على ذلك، تنسق الهند مع دول الخليج في ملفات الأمن البحري والطاقة، وتعمل معهم داخل إطار مبادرات كبرى لتعزيز الاستقرار والتنمية في المنطقة.
علاقة نيودلهي مع السعودية أيضًا توصف بأنها وثيقة وموثوقة، وقد ظهرت بوادر تعاون متزايد في مشاريع التجارة والاستثمار، كما رحبت الرياض بخطوات هندية لتحقيق الاستقرار الإقليمي، بما في ذلك التهدئة والتفاوض بين الأطراف الإقليمية عند الضرورة.
وهكذا أصبحت الهند لاعبًا محوريًا في شبكة علاقات تربط الشرق الأوسط بآسيا وجنوب آسيا، مما يعيد صياغة مفهوم الشراكات الإقليمية بعيدًا عن التحالفات التقليدية التي تهيمن عليها القطيعة والصدام.
الهند تدعم القضية الفلسطينية
رغم تقاربها مع إسرائيل، حافظت الهند على موقف تقليدي من القضية الفلسطينية يدعو إلى تسوية عادلة عبر الحوار والتفاوض، وهو موقف تتبناه نيودلهي منذ عقود. فهذه السياسة لا تُعد تناقضًا مع علاقاتها مع إسرائيل، بل تجسيدًا لمدرسة دبلوماسية تعتبر أن الاستقرار والسلام الدائم في المنطقة لن يتحقق إلا بحلول سياسية تحقق حقوق الشعب الفلسطيني.
القدرة الهندية على المزج بين دعم حل سياسي عادل للقضية الفلسطينية، وبين تعميق العلاقات مع إسرائيل ودول الخليج، تُبرز بوضوح أن نيودلهي لا تسعى إلى تبني جانب واحد في النزاعات، بل إلى لعب دور جسر استراتيجي بين مختلف القوى في الشرق الأوسط.
وترفض الهند إبادة الإسرائيليين أو الفلسطينيين ولهذا تدين بشدة ما حدث في 7 أكتوبر والتي كانت عملية الهدف منها إبادة الشعب الإسرائيلي لهذا سقط الآلاف من الضحايا في ساعات قليلة.
الهند والممر الاقتصادي الجديد
أحد أهم المشاريع التي توضع فيها الهند في مركز الجغرافيا الاقتصادية الجديدة هو ممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا الاقتصادي، وهو مشروع يهدف إلى ربط الهند بأوروبا عبر شبكة سكك حديدية وبنى لوجستية تمتد من الإمارات والسعودية والأردن وإسرائيل وصولًا إلى أوروبا، مع إمكانية أن تنضم دول أخرى في المستقبل.
الهدف من هذا المشروع ليس مجرد تسهيل التجارة، بل تعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي وتوفير بدائل لسلاسل الإمداد التقليدية التي تعتمد بشكل كبير على مضيق السويس، ما قد يقلل تكاليف الشحن بنسبة تصل إلى نحو 40٪ ويخلق بنية تحتية تربط آسيا بأوروبا عبر شبكة متصلة متعددة الوسائط.
الممر الاقتصادي يمثل فرصة فريدة للهند لتكون قلبًا نابضًا لربط الأسواق الضخمة في آسيا بأوروبا عبر الشرق الأوسط، مما يعيد رسم الجغرافيا الاقتصادية بشكل يخدم مصالح جميع الأطراف: الهند كسوق ومركز صناعي، ودول الخليج كمنافذ لوجستية وطاقة، وإسرائيل كنقطة وصل تكنولوجية وتجارة، وأوروبا كسوق نهائي للمنتجات.
سياسة الهند الخارجية
ما تفعله الهند في الشرق الأوسط لا يمكن اختزاله في وصف بسيط مثل “صديق” أو “عدو”. إنها تبنت سياسة متعددة الأقطاب تسمح لها بالتعامل مع متناقضات المنطقة بمرونة واستقلالية، دون أن تلتزم بقالب تحالف واحد على حساب آخر.
في زمن يتراوح فيه الشرق الأوسط بين صراعات محلية وإقليمية، وبين تنافس قوى عظمى، توفر الهند نموذجًا مختلفًا في التفكير الإستراتيجي: توازن المصالح، وتكامل الشراكات، وتعزيز الربط الاقتصادي والسياسي الذي يستند أكثر إلى المصالح المشتركة والبنى التحتية العابرة للحدود.
إن اعتبار الهند “عدوة” بعد زيارة مودي لإسرائيل يعكس قراءة سريعة ومبسطة لواقع متعدد الأبعاد.
في الواقع، الهند استطاعت أن تصبح صديقة لإسرائيل بلا تنازل عن مصالحها، وصديقة لإيران بلا خصومة مع خصوم إيران، وشريكة للدول العربية في الخليج بلا تناقض سياسي واضح، وساعية في الوقت نفسه إلى السلام والاستقرار في المنطقة عبر مشاريع اقتصادية كبرى تدفع نحو التكامل والتعايش.
وهكذا، بدلاً من أن تكون الهند طرفًا في توتر الشرق الأوسط، أصبحت عامل توازن وربط في لعبة إقليمية تبدو أكثر تعقيدًا بالنسبة للرأي العام العربي الذي يميل إلى التبسيط الطفولي للأشياء والعلاقات.

