المسيحية في نيجيريا

نيجيريا، العملاق الإفريقي الذي يُقدَّم كثيرًا بوصفه قوة صاعدة، تحوّلت خلال سنوات إلى مقبرة مفتوحة لعشرات الآلاف من المسيحيين، وفق تقرير حقوقي نيجيري يقول إن أكثر من 52 ألف مسيحي قُتلوا منذ اندلاع تمرد جماعة بوكو حرام الإسلامية عام 2009.

ويهدد الإسلام الراديكالي كل من المسيحيين والملحدين والصوفية والبهائيين ومختلف الطوائف الدينية المختلفة التي يرفض وجودها ويدعو إلى القضاء عليها، وقد رأينا قبل سنوات تطبيق داعش والنصرة والعديد من الجماعات الإسلامية المسلحة لهذا الفكر المتطرف.

تقرير نيجيري: 52,250 مسيحيًا قُتلوا منذ 2009

التقرير الذي حمل عنوان “Martyred Christians in Nigeria” صدر عن منظمة International Society for Civil Liberties and Rule of Law المعروفة اختصارًا باسم Intersociety، وهي منظمة بحثية وحقوقية نيجيرية تقول إنها ترصد الاضطهاد الديني والعنف المرتبط به منذ عام 2010.

وبحسب ما نقلته Vatican News عن التقرير، فقد قُتل ما لا يقل عن 52,250 مسيحيًا نيجيريًا خلال 14 عامًا على يد مسلحين إسلاميين، منذ صعود تمرد بوكو حرام عام 2009.

كما يذكر التقرير أن أكثر من 30 ألفًا من هؤلاء قُتلوا خلال فترة حكم الرئيس النيجيري السابق محمد بخاري، الذي تعرض لانتقادات واسعة بسبب عجز حكومته عن احتواء الانفلات الأمني المتزايد.

هذه الأرقام، حتى مع ضرورة التعامل معها كمصدر حقوقي غير حكومي، تكشف حجم الكارثة التي تعيشها مناطق واسعة في شمال ووسط نيجيريا؛ حيث لم تعد المسألة مجرد هجمات متفرقة، بل نمطًا طويلًا من العنف الديني والعرقي والسياسي.

18 ألف كنيسة و2200 مدرسة مسيحية أُحرقت

لا تتوقف المأساة عند القتلى. فبحسب التقرير نفسه، جرى خلال الفترة ذاتها إحراق نحو 18 ألف كنيسة و2200 مدرسة مسيحية، إلى جانب مقتل ما يقرب من 34 ألف مسلم معتدل في هجمات إسلامية متطرفة.

وهذه النقطة مهمة لأنها تكشف أن عنف الجماعات الجهادية في نيجيريا لا يستهدف المسيحيين وحدهم، وإن كانوا في صدارة الضحايا وفق هذه التقارير، بل يضرب أيضًا المسلمين الذين يرفضون التطرف أو يعيشون خارج منظومة الولاء للجماعات المسلحة.

لكن المسيحيين في مناطق واسعة يدفعون الثمن الأكبر، ليس فقط كأفراد، بل كمجتمعات كاملة تُستهدف كنائسها ومدارسها وقراها ومزارعوها وقياداتها الدينية.

بوكو حرام ليست وحدها

بدأت شهرة المأساة النيجيرية عالميًا مع صعود بوكو حرام، الجماعة التي جعلت من العنف ضد الدولة والمجتمعات المحلية والمسيحيين والمسلمين المخالفين لها عنوانًا لوجودها. لكن المشهد لم يعد محصورًا في بوكو حرام وحدها.

تؤكد منظمة Open Doors أن جماعات إسلامية مسلحة، من بينها بوكو حرام وتنظيم ولاية غرب إفريقيا الإسلامية المعروف اختصارًا بـ ISWAP، تنشط في شمال نيجيريا وتمتد إلى الوسط، وتستهدف المسيحيين وممتلكاتهم.

كما تشير المنظمة إلى أن مسيحيين، خصوصًا المزارعين في منطقة الحزام الأوسط، يتعرضون لهجمات من مسلحين من عرقية الفولاني، حيث تتداخل النزاعات الدينية مع صراعات الأرض والرعي وانهيار الأمن.

وهنا تكمن خطورة الملف النيجيري: ليس هناك قاتل واحد ولا جبهة واحدة. هناك بوكو حرام، وداعش غرب إفريقيا، وميليشيات محلية، ورعاة مسلحون، وخاطفون، وضعف أمني مزمن، ودولة تبدو في كثير من المناطق عاجزة عن حماية مواطنيها.

أكثر من ألف قتيل في أول 100 يوم من 2023

وفق بيانات Intersociety المنشورة في أبريل 2023، قُتل 1041 مسيحيًا في أول 100 يوم فقط من ذلك العام، كما خُطف ما لا يقل عن 707 مسيحيين خلال الفترة نفسها.

وذكرت المنظمة أن ولاية النيجر في شمال البلاد سجلت أكثر من 200 حالة خطف، بينها اختطاف أكثر من 100 مسيحي في منطقة أدونو في 14 مارس 2023، بينما سجلت كادونا 101 حالة اختطاف مرتبطة باستهداف المسيحيين.

هذه الأرقام تجعل الحديث عن “توتر ديني” أو “اشتباكات محلية” وصفًا قاصرًا. نحن أمام دوامة عنف مستمرة، فيها قتل وخطف وتهجير، وتتحول فيها القرى والكنائس والمدارس إلى أهداف سهلة لجماعات مسلحة تعرف أن الدولة بطيئة، وأن العالم منشغل بملفات أخرى.

خمسة ملايين مسيحي بين النزوح ومخيمات اللجوء

من أخطر ما جاء في التقرير أن الهجمات تسببت في تهجير جماعي واسع. وبحسب ما نقلته Vatican News عن Intersociety، فإن نحو خمسة ملايين مسيحي نزحوا قسرًا إلى مخيمات داخل نيجيريا أو إلى مناطق حدودية وإقليمية.

الرقم هنا لا يعني فقط فقدان البيت. النزوح يعني فقدان الأرض والعمل والمدرسة والكنيسة وشبكة الحماية الاجتماعية. يعني أن العائلة التي كانت تملك مزرعة أصبحت تنتظر الغذاء في مخيم. وأن الطفل الذي كان يذهب إلى مدرسة قروية صار يكبر على ذاكرة الحرق والهروب والجثث.

في مثل هذه البيئات، لا يولد العنف من جديد فقط، بل يولد اليأس أيضًا. ومع اليأس، تتحول المخيمات إلى جروح طويلة في جسد الدولة والمجتمع.

نيجيريا بين أخطر دول العالم على المسيحيين

لا تقف Intersociety وحدها في وصف نيجيريا كواحدة من أخطر البلدان على المسيحيين. ففي قائمة Open Doors World Watch List 2026، جاءت نيجيريا في المرتبة السابعة عالميًا بين الدول التي يواجه فيها المسيحيون أعلى مستويات الاضطهاد.

وتشير القائمة إلى أن أكثر من 388 مليون مسيحي حول العالم يعانون مستويات عالية من الاضطهاد والتمييز، وأن نيجيريا تقع ضمن الدول العشر الأكثر خطورة.

وتصف Open Doors نيجيريا بأنها ظلت لسنوات “أكثر مكان عنيف في العالم” لأتباع المسيحية، خصوصًا في الشمال حيث طبقت 12 ولاية الشريعة الإسلامية، وفي الوسط حيث تتداخل الهجمات على القرى المسيحية مع النزاع بين الرعاة والمزارعين.

المسيحيون ليسوا الضحايا الوحيدين.. لكنهم هدف واضح

من المهم القول إن المسلمين أيضًا يُقتلون في نيجيريا على يد الجماعات المتطرفة، خصوصًا أولئك الذين يرفضون مشروعها أو يعيشون في مناطق سيطرتها أو يعارضونها.

تقرير Intersociety نفسه أشار إلى مقتل عشرات الآلاف من المسلمين المعتدلين في هجمات إسلامية متطرفة.

وتستهدف هذه الجماعات الناس على أساس ديني ما يجعلها شبيهة بالنازية والفاشية التي تقوم على الإقصاء العرقي.