أثار إعلان القنصل العام للمملكة العربية السعودية في دبي والإمارات الشمالية، عبدالله بن منصور المطوع، مغادرته منصبه بعد أكثر من خمس سنوات من الخدمة، موجة من التكهنات الإعلامية على منصات التواصل الاجتماعي، وصلت حد الحديث عن طرد القنصل واقتراب قطع العلاقات بين السعودية والإمارات.
غير أن مراجعة الوقائع والبيانات الرسمية تُظهر أن هذه الروايات لا تستند إلى معطيات دقيقة، وأن ما جرى يندرج في إطار التبديلات الدبلوماسية المعتادة، لا أكثر.
بيان وداع بلا مؤشرات أزمة
أعلن المطوع مغادرته عبر بيان شخصي نشره على حسابه في منصة «إكس»، عبّر فيه عن شكره للقيادتين السعودية والإماراتية، وأشاد بالتعاون الذي حظيت به القنصلية خلال فترة عمله التي بدأت في يناير 2021.
البيان خلا تمامًا من أي إشارة إلى خلاف سياسي أو توتر دبلوماسي، واستخدم لغة بروتوكولية مألوفة في مثل هذه المناسبات.
يحين اليوم وقت الرحيل، وأغادر بيتي الثاني القنصلية العامة في دبي والإمارات الشمالية، بعد رحلةٍ من العمل والعطاء بدأت في يناير 2021م… أتقدم بخالص الشكر إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم… وإلى أصحاب السمو الشيوخ حكام الإمارات الشمالية… على ما وجدناه من دعم وتعاون في خدمة الرعايا السعوديين.
ورغم أن البيان لم يتطرق إلى اسم خليفته، فإن غياب هذه المعلومة لا يُعد في حد ذاته مؤشرًا على أزمة، إذ غالبًا ما تُعلن التعيينات الجديدة في بيانات مستقلة صادرة عن وزارة الخارجية.
توقيت تغيير القنصل السعودي
ما يمنح مغادرة القنصل هذا الوزن السياسي هو توقيتها، لا مضمون البيان، فقد جاءت الخطوة بعد أيام من ضربة جوية نفذتها قوات التحالف بقيادة سعودية على ميناء المكلا في حضرموت، قالت الرياض إنها استهدفت شحنة أسلحة إماراتية موجهة لدعم المجلس الانتقالي الجنوبي.
الضربة مثّلت تصعيدًا نادرًا بين طرفين يفترضان شراكة استراتيجية، وتبعها إعلان إماراتي بسحب القوات المتبقية من اليمن «طوعًا»، وسط اتهامات سعودية غير مباشرة لأبوظبي بالضغط على الفصائل الجنوبية للتصعيد عند الحدود الجنوبية للمملكة.
خلافات متراكمة خرجت إلى السطح
ما جرى في اليمن ليس حادثًا منفصلًا، بل حلقة في سلسلة خلافات تتراكم منذ سنوات بين الرياض وأبوظبي. ففي اليمن، تدعم السعودية وحدة البلاد والحكومة الشرعية، بينما تركز الإمارات على دعم كيانات جنوبية انفصالية تضمن لها نفوذًا مباشرًا في الموانئ وخطوط النفط.
وفي السودان، تدعم الرياض الجيش السوداني، في حين تُتهم أبوظبي بدعم قوات الدعم السريع، ما فجّر توترًا سياسيًا دفع السعودية إلى اللجوء لقنوات ضغط دولية، بينها التواصل مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
إلى جانب ذلك، تتصاعد الخلافات حول ملفات أخرى تشمل:
-
سياسات إنتاج النفط داخل «أوبك بلس»
-
النفوذ في القرن الأفريقي
-
المصالح البحرية وحدود النفوذ، مثل جزر الياسات
تفكك التحالف… واحتمال القطيعة
في أوساط التحليل السياسي، يُنظر إلى هذه التطورات بوصفها مرحلة «تفكك بطيء» للتحالف السعودي الإماراتي، لا خلافًا عابرًا. فالدول لا تنتقل من الشراكة إلى القطيعة بقرار مفاجئ، بل عبر سلسلة إشارات صامتة: خفض تمثيل، انسحابات، وصدامات غير مباشرة.
مغادرة القنصل السعودي من الإمارات، في هذا السياق، لا تبدو حدثًا إداريًا معزولًا، بل علامة إضافية على مسار تصاعدي قد يصل إلى قطع العلاقات إذا خرجت الملفات الإقليمية عن السيطرة.
حتى الآن، لا إعلان رسمي عن قطيعة، لكن المؤكد أن مرحلة التحالف غير المشروط بين الرياض وأبوظبي قد انتهت.

