
وجّه اللواء الهندي المتقاعد غاغان ديب باكشي رسالة شديدة الوضوح إلى إسرائيل بشأن حدود الشراكة بين البلدين، مؤكدًا أن نيودلهي تنظر إلى تل أبيب باعتبارها صديقًا وشريكًا عسكريًا مهمًا، لكنها لن تسمح لهذه العلاقة بأن تتحول إلى تبعية سياسية، ولن تضحي بمصالحها الاستراتيجية مع إيران فقط لأن إسرائيل تخوض حربًا مع طهران.
تصريحات باكشي تعكس نقاشًا أوسع داخل الأوساط الاستراتيجية الهندية حول موقع البلاد في النظام الدولي المتغير. فالهند بنت خلال العقود الماضية تعاونًا دفاعيًا واستخباراتيًا واسعًا مع إسرائيل، واستفادت من الأسلحة والتكنولوجيا الإسرائيلية في أزمات وحروب متعددة، لكنها في الوقت نفسه حافظت على علاقات مهمة مع إيران، التي تمثل بالنسبة إلى نيودلهي شريكًا جغرافيًا واستراتيجيًا يوفر لها منفذًا نحو أفغانستان وآسيا الوسطى، فضلًا عن كونها عضوًا في مجموعة «بريكس».
ومن هذا المنطلق، يرفض باكشي المعادلة التي تفترض أن الصداقة مع إسرائيل تقتضي من الهند أن تتبنى تلقائيًا أولويات تل أبيب في الشرق الأوسط.
«نحن لسنا تابعين لإسرائيل»
خصص باكشي جزءًا مهمًا من حديثه للعلاقة الهندية الإسرائيلية، مؤكدًا أن التقدير الهندي للتعاون مع تل أبيب لا يعني قبول إملاءات سياسية تمس المصالح القومية لبلاده.
وقال إن إسرائيل ستضطر، عاجلًا أو آجلًا، إلى أخذ المخاوف الهندية في الاعتبار، قبل أن يحدد طبيعة العلاقة بصورة أكثر حدة بقوله إن الهند ليست «الولاية الحادية والخمسين للولايات المتحدة»، كما أنها ليست دولة تابعة أو عميلة لإسرائيل.
وأضاف أن العلاقة بين الطرفين هي علاقة صداقة، لكنه رفض تمامًا فكرة التبعية، مؤكدًا أن الهند لا تقبل أن تتعامل معها أي قوة أجنبية باعتبارها دولة يمكن استدعاء قادتها أو دفعها إلى تغيير سياساتها متى أرادت.
هذه اللغة تتفق مع رؤية أوسع عبّر عنها باكشي في مقابلات سابقة، حين وصف الهند بأنها «دولة حضارية» ترفض أن تلعب دور الشريك الأصغر داخل أي تحالف، وتتمسك بما تسميه نيودلهي منذ سنوات «الاستقلال الاستراتيجي» في سياستها الخارجية.
تقدير واضح للدعم العسكري الإسرائيلي
رغم لهجته القاسية، لم يحاول الجنرال الهندي التقليل من أهمية إسرائيل بالنسبة إلى بلاده. بل قال صراحة إن إسرائيل دعمت الهند خلال الحروب التي خاضتها مع باكستان والصين، وقدمت لها أنظمة تسليح وتكنولوجيا عسكرية، مضيفًا أن القوات المسلحة الهندية ممتنة لهذا الدعم.
وهذه النقطة أساسية لفهم موقفه؛ فهو لا يتحدث من موقع معادٍ لإسرائيل، ولا يدعو إلى إنهاء العلاقات معها، وإنما يطرح تصورًا للعلاقة يقوم على المصالح المتبادلة بدل الاصطفاف السياسي المطلق.
بالنسبة إلى باكشي، تستطيع الهند أن تعتبر إسرائيل شريكًا دفاعيًا مهمًا، وفي الوقت نفسه تعارض حربها مع إيران أو ترفض بعض سياساتها الإقليمية، تمامًا كما تستطيع نيودلهي إقامة علاقات قوية مع الولايات المتحدة من دون أن تتبنى كل خيارات واشنطن.
إيران هي خط الاختبار الحقيقي
رفض باكشي صراحة فكرة مطالبة إسرائيل للهند بالتخلي عن طهران بسبب الحرب، مؤكدًا أن المصالح الهندية مع إيران لا يمكن التضحية بها استجابة لأولويات إسرائيلية.
وقال بمعنى واضح إن إسرائيل لا تستطيع أن تطلب من نيودلهي التخلي عن إيران لمجرد أنها تخوض حربًا معها، لأن العلاقة الهندية الإيرانية مرتبطة بمصالح مستقلة لا علاقة لها بالخلاف الإسرائيلي الإيراني.
هذا الموقف ليس عاطفيًا بقدر ما هو جغرافي واستراتيجي، إيران تمنح الهند منفذًا مهمًا نحو أفغانستان وآسيا الوسطى، ولا سيما عبر ميناء تشابهار، وهو أمر بالغ الأهمية بالنسبة إلى نيودلهي بسبب غياب الحدود البرية المباشرة مع تلك المناطق ومرور الطريق التقليدي عبر باكستان.
وأشار باكشي نفسه إلى أن إيران وفرت للهند ممرًا للوصول إلى أفغانستان وآسيا الوسطى، وأن التعاون بين البلدين امتد إلى مراحل كانت فيها طهران ونيودلهي تتقاطعان في ملفات إقليمية متعددة.
ومن هنا يصبح التخلي عن إيران استجابة للمطالب الإسرائيلية بالنسبة إلى الهند تنازلًا عن أداة جيوسياسية مهمة لمصلحة دولة أخرى.
اقرأ أيضا: كيف تنظر الهند إلى اتفاق مكة؟ ولماذا يتقاطع موقفها مع مصر؟
الهند تريد إسرائيل وإيران في الوقت نفسه
الهند ليست طرفًا في الصراع الوجودي بين إسرائيل وإيران، ولذلك لا ترى سببًا يجعلها مضطرة إلى الاختيار بينهما. علاقتها مع إسرائيل تقوم أساسًا على الدفاع والتكنولوجيا والاستخبارات، بينما تخدم علاقتها مع إيران مصالح مختلفة تشمل الجغرافيا والطاقة والوصول إلى آسيا الوسطى وأفغانستان.
ولهذا تحاول نيودلهي منذ سنوات الحفاظ على المسارين معًا. حتى الأدبيات الاستراتيجية الهندية القديمة كانت تشير إلى ضرورة إدارة العلاقة مع إسرائيل من دون التضحية بالمصالح الجوهرية مع إيران والعالم الإسلامي، معتبرة أن الشراكة مع تل أبيب يجب ألا تدفع الهند إلى مواجهة لا تخدم مصالحها الخاصة.
اقرأ أيضا: من السويس إلى غوا.. ما لا تعرفه عن تحالف مصر والهند
باكشي ينتقد إسرائيل بسبب الحرب على إيران
ذهب الجنرال المتقاعد أبعد من مجرد الدفاع عن العلاقة مع طهران، إذ انتقد القرار الإسرائيلي بالمشاركة في الحرب على إيران، معتبرًا أن تل أبيب ارتكبت خطأ استراتيجيًا كبيرًا عندما راهنت على إمكانية إضعاف النظام الإيراني بسرعة.
وقال في مقابلة سابقة إن إسرائيل أخطأت في تقدير قدرتها على تغيير الواقع الإيراني، وإنها ذهبت بعيدًا في اصطفافها مع إدارة دونالد ترامب في الحرب.
كما زعم أن تقديرات استخباراتية إسرائيلية كانت تراهن على أن الضغط العسكري سيدفع النظام الإيراني إلى الانهيار من الداخل، لكنه اعتبر أن هذه الحسابات أثبتت فشلها.
هذه القراءة تمثل موقف باكشي الشخصي ولا تعبر بالضرورة عن الحكومة الهندية، لكنها تكشف أن جزءًا من المؤسسة العسكرية والاستراتيجية الهندية السابقة لا ينظر إلى الحرب الإسرائيلية على إيران من زاوية المصلحة الإسرائيلية فقط، بل من زاوية تأثيرها في النظام الدولي ومصالح الهند داخل ما تسميه نيودلهي «الجنوب العالمي».
اقرأ أيضا: جنرال هندي يهدد تركيا بعد اتفاق مكة: «سنمزقكم إربًا»
