
يعد الملك محمد السادس من أبرز الملوك الذين ترتبط أسماؤهم بإمبراطورية استثمارية خاصة إلى جانب منصبهم السياسي، إذ تسيطر العائلة الملكية المغربية على مصالح واسعة تمتد من البنوك والتعدين إلى الطاقة والاتصالات والتوزيع والعقارات.
ولهذا تظهر باستمرار تقديرات بمليارات الدولارات عند البحث عن ثروة الملك محمد السادس، لكن الوصول إلى رقم دقيق في 2026 ليس أمرًا بسيطًا، لأن الجزء الأكبر من المصالح الاقتصادية المرتبطة بالعائلة الملكية موجود داخل شركات قابضة خاصة لا تنشر تفاصيل كافية تسمح بحساب صافي ثروة الملك بصورة مستقلة.
من هو الملك محمد السادس؟
ولد الملك محمد السادس في 21 أغسطس 1963 بمدينة الرباط، وهو الابن الأكبر للملك الحسن الثاني.
التحق في سن مبكرة بالمدرسة القرآنية الملحقة بالقصر الملكي، ثم تابع دراسته في المدرسة المولوية، وحصل على شهادة البكالوريا عام 1981.
وفي 1985 حصل على الإجازة في الحقوق من كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة محمد الخامس في الرباط، وكان موضوع بحثه يتعلق بالاتحاد العربي الأفريقي واستراتيجية المغرب في العلاقات الدولية.
وحصل عام 1987 على شهادة الدراسات العليا في العلوم السياسية، ثم شهادة الدراسات العليا للدكتوراه في القانون العام عام 1988.
وفي أكتوبر 1993 حصل على الدكتوراه في القانون من جامعة نيس صوفيا أنتيبوليس الفرنسية بأطروحة تناولت التعاون بين المجموعة الاقتصادية الأوروبية واتحاد المغرب العربي.
وقد اعتلى محمد السادس عرش المغرب في 23 يوليو 1999 عقب وفاة والده الملك الحسن الثاني.
من أين تأتي ثروة الملك محمد السادس؟
يرتبط الجزء الأهم من ثروة العائلة الملكية المغربية بمجموعة «المدى»، وهي المجموعة الاستثمارية التي كانت تعرف سابقًا باسم الشركة الوطنية للاستثمار Société Nationale d’Investissement أو SNI.
تحولت SNI إلى Al Mada في 2018، وأصبحت تقدم نفسها باعتبارها صندوقًا استثماريًا خاصًا طويل الأجل يركز بصورة خاصة على المغرب والقارة الأفريقية.
وتملك المجموعة استثمارات ضخمة في قطاعات البنوك والتأمين والتعدين والطاقة والاتصالات والتوزيع والعقارات والسياحة ومواد البناء.
لكن من الضروري التفريق بين قيمة الشركات التي تستثمر فيها «المدى» وبين ثروة الملك محمد السادس الشخصية، فليس كل أصل تمتلك المجموعة حصة فيه ملكًا مباشرًا للملك، كما أن للعائلة الملكية ومساهمين آخرين مصالح داخل هيكل المجموعة.
الملك محمد السادس ومجموعة المدى
تسيطر العائلة الملكية على الحصة الرئيسية في مجموعة المدى من خلال عدد من الشركات والهياكل الاستثمارية الخاصة.
وتختلف الأرقام المنشورة حول النسبة الدقيقة التي تعود إلى الملك شخصيًا والعائلة الملكية ككل، بسبب تعدد الشركات القابضة وعدم نشر «المدى» سجلًا تفصيليًا ومحدثًا يوضح المستفيد النهائي من كل سهم.
وتظهر الوثائق المالية المنشورة خلال السنوات الماضية أسماء شركات مثل Copropar وSiger ضمن كبار مساهمي المجموعة، بينما ترتبط Siger مباشرة بالمصالح الاستثمارية الخاصة بالملك.
وهذه التركيبة هي أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل حساب ثروة محمد السادس أكثر صعوبة من حساب ثروة رجل أعمال يمتلك أسهمًا معلنة مباشرة في شركات مدرجة في البورصة.
التجاري وفا بنك
يعد التجاري وفا بنك واحدًا من أهم الأصول داخل محفظة «المدى»، ووفق البيانات المالية المنشورة، امتلكت «المدى» 46.5% من رأسمال التجاري وفا بنك في نهاية 2024، وهو أكبر بنك في المغرب وواحد من أكبر المجموعات المصرفية في أفريقيا.
ويمتلك البنك حضورًا في عشرات الدول، خصوصًا في أفريقيا، ويقدم الخدمات المصرفية والتأمين وإدارة الأصول والتمويل والائتمان وغيرها من الأنشطة المالية.
وتجعل قيمة هذه الحصة التجاري وفا بنك واحدًا من أكبر المكونات المالية في الإمبراطورية الاستثمارية المرتبطة بالعائلة الملكية.
مناجم أصبحت أكثر قيمة
من أهم التطورات التي تؤثر في القيمة الاقتصادية لمحفظة «المدى» خلال السنوات الأخيرة الصعود الكبير لمجموعة مناجم.
تملك «المدى» أكثر من 81% من شركة مناجم، وهي مجموعة تعدين مغربية تعمل في عدد من الدول الأفريقية وتنتج الذهب والنحاس والكوبالت ومعادن أخرى.
وسجلت مناجم نتائج استثنائية خلال 2025، إذ ارتفعت إيراداتها إلى نحو 13.7 مليار درهم، بينما تجاوز صافي الربح العائد للمجموعة ثلاثة مليارات درهم.
ويعني ارتفاع قيمة الشركة في البورصة أن الحصة التي تملكها «المدى» أصبحت أصلًا أكبر بكثير مقارنة بما كانت عليه عندما قدرت فوربس ثروة الملك في 2015.
لكن ارتفاع القيمة السوقية لمناجم لا يمكن تحويله مباشرة إلى زيادة مساوية في صافي الثروة الشخصية للملك، لأن الملكية تمر عبر المجموعة القابضة وهيكل مساهميها.
مرجان وإنوي وناريفا
لا تعتمد قوة «المدى» على الشركات المدرجة في البورصة فقط، إذ تسيطر المجموعة أيضًا على عدد من الشركات الخاصة الكبيرة، ومنها مجموعة مرجان، التي تعد أكبر مشغلي تجارة التجزئة الحديثة في المغرب وتمتلك شبكة كبيرة من المتاجر والمراكز التجارية.
وفي قطاع الاتصالات توجد إنوي، إحدى شركات الاتصالات الرئيسية في المغرب، والتي تسيطر عليها «المدى».
أما في قطاع الطاقة، فتملك المجموعة شركة ناريفا، التي أصبحت من أكبر المستثمرين في إنتاج الكهرباء والطاقة المتجددة بالمغرب.
وتشير بيانات ناريفا إلى امتلاكها محفظة من مشروعات إنتاج الكهرباء تتجاوز قدرتها ثلاثة آلاف ميغاواط، مع تركيز كبير على طاقة الرياح والطاقة المتجددة.
وتضاف إلى ذلك مصالح في التأمين ومواد البناء والعقارات والسياحة وقطاعات أخرى، وهو ما يجعل تقييم «المدى» بالكامل أصعب بكثير من الاكتفاء بحساب قيمة أسهمها في الشركات المدرجة.
الأنشطة الزراعية والاستثمارات الأخرى
ترتبط المصالح الاقتصادية الخاصة بالملك محمد السادس أيضًا باستثمارات تقع خارج المحفظة المباشرة لمجموعة «المدى».
ومن أبرز القطاعات التي ارتبطت تاريخيًا بالشركات الملكية الزراعة والعقارات والسياحة، من خلال شركات قابضة خاصة مثل Siger وشركات تابعة لها.
ولهذا فإن الاعتماد على قيمة «المدى» وحدها للوصول إلى صافي ثروة الملك يمكن أن يستبعد أصولًا أخرى، بينما يؤدي اعتبار جميع ممتلكات العائلة الملكية ملكًا شخصيًا له إلى تضخيم الرقم في الاتجاه المعاكس.
هل يمتلك الملك جميع القصور الملكية؟
من الخطأ أيضًا احتساب كل القصور والمباني المستخدمة من طرف المؤسسة الملكية ضمن الثروة الشخصية للملك دون التحقق من الوضع القانوني لكل عقار. فالفرق كبير بين ممتلكات خاصة يمكن بيعها أو توريثها وبين ممتلكات تستخدمها المؤسسة الملكية لأداء وظائفها الرسمية.
وتتكرر على الإنترنت قوائم تتحدث عن امتلاك الملك عشرات القصور والمساكن، إلا أن كثيرًا منها لا يفرق بين الملكية الخاصة والممتلكات المرتبطة بالقصر أو الدولة.
ميزانية القصر ليست الدخل الشخصي للملك
كانت تقارير قديمة تتحدث عن إنفاق القصر ما يقارب مليون دولار يوميًا، ثم تحول الرقم مع تكراره على الإنترنت إلى ما يشبه تقديرًا لنمط الإنفاق الشخصي للملك.
والحقيقة أن الميزانية العامة المخصصة للمؤسسة الملكية لا تمثل راتبًا شخصيًا للملك محمد السادس. فقانون المالية المغربي يتضمن بنودًا مختلفة تشمل القائمة المدنية ومخصصات السيادة ورواتب العاملين في البلاط الملكي ونفقات التجهيز والتشغيل والاستثمار.
وفي ميزانية 2026 توجد اعتمادات منفصلة للقائمة المدنية ومخصصات السيادة وموظفي البلاط الملكي ونفقاته المختلفة.
وبالتالي لا يمكن تقسيم مجموع هذه الاعتمادات على أيام السنة والقول إن الملك «ينفق» ذلك المبلغ يوميًا، لأنها تشمل مؤسسة كاملة وموظفين وتكاليف تشغيل وتجهيز وليست حسابه الشخصي.
كم قدرت فوربس ثروة محمد السادس؟
قدرت فوربس في 2015 ثروة الملك محمد السادس بنحو 5.7 مليار دولار، بعدما كانت تقديراتها السابقة أقل بكثير.
وجاء الارتفاع آنذاك نتيجة معلومات جديدة حول قيمة أصول SNI، التي أصبحت تعرف لاحقًا باسم «المدى»، وكان ذلك التقدير كافيًا لوضعه في ذلك الوقت بين أكبر الثروات في أفريقيا.
لكن المشكلة أن الرقم يعود إلى أكثر من عشر سنوات، ولم تعد فوربس تنشر للملك محمد السادس تقديرًا سنويًا حديثًا يمكن التعامل معه بالطريقة نفسها التي تحدث بها ثروات المليارديرات المدرجين بانتظام في قوائمها.
ولهذا فإن إعادة نشر 5.7 مليار دولار أو رفعه بصورة آلية إلى 6.5 مليار دولار لا يمثل طريقة دقيقة لحساب ثروته في 2026.
هل يمكن أن تكون ثروة محمد السادس أكبر من 5.7 مليار دولار؟
من الممكن أن تكون القيمة الاقتصادية للأصول التي ترتبط بالعائلة الملكية أكبر بكثير مما كانت عليه عند صدور تقدير فوربس في 2015. فبعض الشركات الرئيسية داخل محفظة «المدى» توسعت منذ ذلك الحين، وارتفعت قيمتها السوقية، خصوصًا مناجم والتجاري وفا بنك، إضافة إلى النمو الذي شهدته أعمال الطاقة والاتصالات والتجزئة في المغرب وأفريقيا.
لكن هذه الحقيقة لا تكفي وحدها لتحديد ثروة محمد السادس الشخصية. فحساب صافي الثروة يتطلب معرفة حصته الاقتصادية الدقيقة في الشركات القابضة، وقيمة الشركات الخاصة غير المدرجة، وأصوله الشخصية الأخرى، إضافة إلى الديون والالتزامات المالية. وهذه المعلومات ليست كلها متاحة للعامة.
ثروة الملك محمد السادس في 2026
لا يوجد في 2026 تقدير حديث وموثوق بما يكفي يسمح بالقول إن ثروة الملك محمد السادس تبلغ رقمًا محددًا بصورة قاطعة.
آخر تقدير بارز نشرته فوربس بلغ 5.7 مليار دولار في 2015، وهو رقم لا ينبغي تقديمه على أنه القيمة الحالية لثروته بعد مرور أكثر من عقد.
في المقابل، تؤكد البيانات المالية الحالية أن العائلة الملكية تسيطر على محفظة استثمارية ضخمة عبر مجموعة «المدى» وهياكل أخرى، وتشمل أصولًا رئيسية في التجاري وفا بنك ومناجم وإنوي وناريفا ومرجان ووفا للتأمين وغيرها من الشركات.
وقد ارتفعت قيمة عدد من هذه الاستثمارات بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، ما يجعل من المنطقي افتراض أن القيمة الاقتصادية للمصالح المرتبطة بالعائلة الملكية تغيرت كثيرًا منذ تقدير فوربس القديم.
