
نشرت صانعة المحتوى السعودية المسلمة تومي الشرقاوي مقاطع مطوّلة تهاجم فيها ما تصفه بـ«الخطاب التكفيري» الذي يقدّمه صانع المحتوى المصري هيثم طلعت، متهمةً إياه بتوسيع دائرة التكفير لتشمل محجبات وناشطات مسلمات ومختلفين معه فكريًا، لا الملحدين فقط.
وتسلّط الشرقاوي الضوء على طريقة طلعت في استهداف طيف واسع من الفئات؛ بدءًا من القرآنيين والمعتزلة الجدد، مرورًا بالمسلمين الذين يجمعون بين الإيمان بالطاقة والإلتزام الديني، ووصولًا إلى النسويات المسلمات، إلى ضعف ردوده على الملحدين والتركيز على التهريج وإطلاق الألقاب بدلا من دفع “الشبهات”.
وبحسب ما تراه الشرقاوي وناقدوه، فإن الخطاب الذي يقدّمه هيثم طلعت، المعتمد على التخويف وتوزيع تهم الإلحاد واستخدام ما تصفه بالتدليس والمغالطات المنطقية والعقلية لإثبات صحة طرحه، لم ينعكس إيجابًا على صورة الدين، بل ساهم في دفع عدد من المتابعين إلى مزيد من الشك والابتعاد عن الإسلام، مسببًا – برأيهم – ضررًا لصورة الدين وأهله أكبر من أي مكاسب دعوية يروّج لها.
من هي تومي الشرقاوي؟ وكيف وصلت إلى ظاهرة هيثم طلعت؟
تومي الشرقاوي صانعة محتوى سعودية مسلمة، بدأت مثل كثير من الشباب في متابعة «الدعاة الجدد» ومحتوى الرد على الإلحاد والملحدين، ومن ضمنهم الدكتور المصري هيثم طلعت.
بحسب ما ترويه في فيديوهاتها، كانت ترى فيه في البداية نموذجًا لـ«المدافع عن الدين» الذي يحاور الملحدين ويفحمهم بالأدلة، إلى أن بدأت تلاحظ شيئًا فشيئًا أن الخطاب الذي يقدّمه لا يشبه الخطاب الذي يزرع الطمأنينة والإيمان، بقدر ما يشبه خطابًا يصنع الخوف، ويصنع حول صاحبه هالة من القداسة والسلطة على عقول المتابعين.
تومي لا تقدّم نفسها كعالمة شرع ولا كداعية، بل كمسلمة عادية، تؤكد أنها اختارت أن تكون صادقة مع نفسها ومع ضميرها، حتى ولو خالفت المزاج السائد، وحتى لو خسرت جزءًا من الجمهور الذي اعتاد تقديس «الداعية الذي يرد على الإلحاد» واعتبار نقده نوعًا من «الطعن في الدين».
اختزال الإسلام في شخص: لماذا يخاف الناس من نقد هيثم طلعت؟
ليست هذه المرة الأولى التي تنشرها فيها صانعة المحتوى السعودية فيديو تنتقد فيه هيثم طلعت الذي أصبح تكفيريا ويستخدم تهمة الإلحاد للقضاء على مصداقية خصومه وحتى منافسيه.
وتقول أنه لديه جمهور كبير اختزل الإسلام في شخصه، وأصبح نقده خطا أحمرا بالنسبة للكثير من أتباعه الذين يرددون نفسه كلامه نسخا لصقا.
وتستنتج من ذلك أنه عندما تُرفَع مكانة شخص ما إلى درجة «الرمز المقدّس»، يصبح أي نقد لمحتواه أو منهجه نوعًا من «الردة الشعورية» عن الدين، فيتحوّل العقل من نقد الأفكار إلى الدفاع عن الأشخاص، ومن احترام النص إلى تقديس المفسِّر.
تؤكد الشرقاوي أن الإسلام دين الله، ممتد من عهد نوح عليه السلام إلى اليوم، ولا يمكن أن يتوقف على شخص واحد، ولا أن ينتهي بهزيمة داعية على يوتيوب، أو سقوط صانع محتوى مهما كان صيته.
إشكالية عبارة «يدافع عن الدين» و«الوقوف على ثغر من ثغور الإسلام»
توقفت تومي مطولًا عند جملة باتت شائعة في الخطاب الإسلامي المعاصر: «فلان يدافع عن الدين»، و«فلان يقف على ثغر من ثغور الإسلام».
وتسترسل في قولها أنه حين نقول إن الدين يحتاج من «يدافع عنه»، كأننا نقول – ضمنًا – إن الدين هشّ، قابل للسقوط، وأنه بلا قوة ذاتية، بينما المفترض أن الدين هو الذي يمنح المؤمن قوته واطمئنانه لا العكس.
كما أن عبارة «الوقوف على الثغر» تستعمل – كما ترى – لتضخيم مكانة بعض الدعاة حتى يصبحوا في الوعي الجمعي «حراس بوابة الإيمان»، ومن هنا يتجرّؤون على توزيع صكوك الإيمان والكفر والإلحاد على الناس، وكأنهم يملكون مفاتيح الجنة والنار.
تشدّد الشرقاوي على أن أقصى ما يمكن أن يفعله أي داعية أو مفكر هو أن يدافع عن أفكاره وتفسيراته وقناعاته هو، لا عن «الدين كله»، لأن الدين أوسع من أي شخص، وأقدم من أي قناة، وأعمق من أن يختزل في سلسلة حلقات على يوتيوب.
هيثم طلعت يتبنى خطاب التخويف
عند مراجعتها لمحتوى قناة هيثم طلعت، تقول تومي إنها وجدت نمطًا متكرّرًا في كثير من حلقاته ومنشوراته، ألا وهو خطاب قائم على الخطر الداهم، والتهديد المستمر، والعيش في حالة استنفار دائم.
تصوير العالم كما لو أنه في مؤامرة دائم ة ضد الإسلام وأن كل ما هو غير مسلم متورط في مخطط شيطاني للقضاء على الدين الصحيح الوحيد في الأرض.
لذا يصبح المسلم المتابع له في قلق مستمر حول الإلحاد الذي يتمدد وتزايد المتنورين والمنتقدين للإسلام من الداخل، يصبح يعيش في حالة «خوف من السقوط» في أي لحظة، ويُقنعه الخطاب بأنه لن ينجو إلا إذا بقي تحت مظلة فكرية معيّنة هي مظلة الداعية نفسه.
وتؤكد أن الخطاب الذي ينشر التخويف هو خطاب هش لا يثق في فكره ويريد فقط كسب أتباع يتبعونه بدون تمحيص ولا تدقيق لما يقوله.
ثلاثية الإلحاد عند هيثم طلعت
من بين أخطر النقاط التي تركز عليها تومي الشرقاوي، تقسيم هيثم للإلحاد إلى:
- إلحاد مادي:
الملحد الكلاسيكي الذي لا يؤمن بوجود إله ولا بوحي ولا نبوّة. - إلحاد روحي:
يُدخل تحته – كما تقول – «دجالي الطاقة» وكل من يمزجون بين الإسلام وخطابات الطاقة والتأمل والكون… إلخ. - إلحاد باطني:
يُدرج فيه منكري السنة والقرآنيين، وكل من يعيد قراءة النصوص بعيدًا عن المرويات الحديثية التقليدية.
المشكلة عند الشرقاوي ليست في مجرد التصنيف الفكري، بل في نتيجة هذا التقسيم على الأرض:
- كل من يخالف المنهج السائد الذي يتبناه هيثم، يُجرّ إلى مظلة «الإلحاد».
- كلمة «ملحد» هنا ليست وصفًا فكريًا محايدًا، بل تساوي عمليًا كلمة «كافر»، مع فرق واحد:
أنه لا يجرؤ أن يقول «كافر» فيلجأ إلى تعبير «ملحد» و«إلحاد باطني».
تذكّر تومي أن كثيرًا ممن يُلصَق بهم هذا الوصف:
- يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله،
- يصلّون ويصومون،
- يؤمنون بالقرآن وبالرسل،
- لكنهم يختلفون في توصيف الله (الطاقة، الكون، الوجود…) أو في مصدر التشريع (القرآن وحده…).
تقول أنه في الفقه واللغة، هذا يُسمّى ضلالًا أو انحرافًا أو بدعة إذا أردنا التشدّد، لكن تحويله إلى «إلحاد» يساوي كفرًا صريحًا، هو قفز على صلاحيات العلماء والمؤسسات الشرعية، وانتهاك لخط أحمر ديني خطير.
