
في خطوة قد تغير مسار الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي إلى الأبد، كشف البيت الأبيض اليوم عن خطة ترامب لإنهاء الحرب في غزة، تتضمن وقفاً فورياً لإطلاق النار، إطلاق سراح متبادل للأسرى والرهائن، وانسحاباً تدريجياً للجيش الإسرائيلي مقابل نزع السلاح وإعادة إعمار القطاع تحت إشراف دولي.
هذه الخطة، التي أعلنها الرئيس دونالد ترامب خلال مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ليست مجرد اقتراح دبلوماسي، بل رؤية شاملة تهدف إلى تفكيك بنية حماس العسكرية وإعادة بناء غزة كمنطقة مستقرة اقتصادياً وسياسياً.
من وجهة نظر غربية، تمثل هذه الخطة فرصة حقيقية لإنهاء دور الجماعات المتطرفة في القضية الفلسطينية، وفتح باب لدولة فلسطينية مستقبلية تعيش في سلام مع إسرائيل، بعيداً عن الدورات العنيفة التي أودت بحياة عشرات الآلاف منذ 7 أكتوبر 2023.
وفقاً للبيت الأبيض، فإن الخطة تتكون من 20 نقطة رئيسية، تركز على الاستقرار الفوري والتنمية طويلة الأمد، مع ضمانات أمنية لإسرائيل وفرص تنموية للفلسطينيين.
وقف الحرب وإطلاق سراح الرهائن
تبدأ خطة البيت الأبيض لغزة بتنفيذ فوري لوقف إطلاق النار، حيث ينتهي القتال فور قبول الطرفين بالاتفاق، مع انسحاب القوات الإسرائيلية إلى خطوط متفق عليها تمهيداً لإطلاق سراح الرهائن.
خلال هذه الفترة، تتوقف جميع العمليات العسكرية الجوية والمدفعية، وتظل خطوط المواجهة مجمدة حتى استكمال الانسحاب على مراحل.
هذا النهج، الذي يشبه اتفاقيات وقف إطلاق النار السابقة مثل تلك في يناير 2025، يهدف إلى بناء ثقة فورية بين الأطراف، مع ضمان عدم عودة التصعيد.
أما بالنسبة لإطلاق الرهائن، فتنص الوثيقة على أنه في غضون 72 ساعة من إعلان إسرائيل قبول الاتفاق، يتم إطلاق سراح جميع الرهائن الأحياء وإعادة رفات القتلى، مقابل ذلك، ستفرج إسرائيل عن 250 أسيراً محكوماً بالمؤبد و1700 معتقل من غزة، بينهم نساء وأطفال، بالإضافة إلى تسليم رفات 15 فلسطينياً مقابل كل رهينة إسرائيلي متوفى.
نتنياهو أكد في المؤتمر الصحفي أن “هذا التبادل ضروري لإنهاء الكابوس الذي بدأ في 7 أكتوبر”، مشدداً على أن الخطة تضمن عدم عودة الرهائن إلى يد الإرهابيين.
من منظور غربي، يُعد هذا الجانب انتصاراً للدبلوماسية، حيث يعيد التركيز على الجانب الإنساني للصراع، بعيداً عن الدعاية الإعلامية.
إقصاء حماس من المشهد السياسي
تُعد إحدى أبرز نقاط خطة البيت الأبيض لغزة منح عفو مشروط لأعضاء حركة حماس الذين يتخلون عن السلاح ويقبلون بالتعايش السلمي، فيما يحصل من يرغب في مغادرة غزة على ممر آمن نحو دول لاستقبالهم.
هذا الشرط، الذي يشبه برامج الإعادة الإدماج في أفغانستان بعد 2021، يهدف إلى تفكيك الهيكل العسكري لحماس دون إراقة دماء إضافية.
أوضح ترامب أن “حماس لن يكون لها دور في غزة المستقبلية، سواء مباشرة أو غير مباشر”، مؤكداً أن الخطة تتطلب تدمير جميع الأنفاق والبنى العسكرية.
يُمثل هذا الجانب نهاية لدور حماس كقوة سياسية، حيث أصبحت الحركة رمزاً للإرهاب الذي أدى إلى عزلة دولية.
تقارير الأمم المتحدة تشير إلى أن حماس استخدمت القضية الفلسطينية لتبرير هجماتها، مما أضر بالمصالح الفلسطينية طويلة الأمد، الخطة، إذن، تحول حماس من لاعب رئيسي إلى حركة منتهية، مما يمهد لسلطة فلسطينية إصلاحية.
إعادة اعمار قطاع غزة
مع بدء تنفيذ الاتفاق، سيدخل القطاع تدفق فوري وكبير من المساعدات الإنسانية عبر الأمم المتحدة والهلال الأحمر ومؤسسات دولية أخرى، على غرار ما ورد في اتفاق 19 يناير 2025.
تشمل المساعدات إعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية من ماء وكهرباء وصرف صحي، وإصلاح المستشفيات والمخابز، وإزالة الأنقاض وفتح الطرق. كما سيتم فتح معبر رفح وفق الآليات المتفق عليها سابقاً.
هذا الجانب يعكس التزام الغرب بالمسؤولية الإنسانية، حيث أدى الصراع إلى كارثة إنسانية في غزة، مع تدمير أكثر من 70% من البنية التحتية.
الخطة تُقدر تكلفة الإعادة الإعمار بمليارات الدولارات، مع تمويل من الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية، مما يجعلها مشروعاً دولياً يعزز الاستقرار الإقليمي.
إدارة انتقالية ورقابة دولية لتنفيذ خطة ترامب
يقترح البيت الأبيض تشكيل لجنة فلسطينية تكنوقراطية مؤقتة، غير حزبية، لإدارة الخدمات العامة، بإشراف هيئة دولية جديدة تدعى “مجلس السلام” برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وعضوية شخصيات دولية بينها رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير.
وستتولى هذه الهيئة الإشراف على التمويل وإعادة الإعمار حتى استكمال إصلاح السلطة الفلسطينية وتسلمها إدارة غزة.
بلير، الذي يُعتبر مهندساً لعملية السلام في أيرلندا الشمالية، أشاد بالخطة وقال: “هذا المجلس سيكون الضمانة لشفافية الإنفاق، بعيداً عن الفساد أو الإرهاب”.
من منظور غربي، يُعد هذا الإشراف الدولي خطوة لمنع تكرار فشل اتفاقيات أوسلو، حيث أدى التنافس السياسي إلى تعثر التنفيذ.
خطة اقتصادية خاصة لغزة
كما تتضمن مبادرة ترامب خطة لإعادة بناء غزة من خلال إنشاء منطقة اقتصادية خاصة ذات امتيازات جمركية، وجذب استثمارات دولية لتوفير فرص العمل وتحفيز التنمية.
هذه “خطة ترامب الاقتصادية”، كما وصفها، ستشمل استثمارات في الطاقة المتجددة والسياحة، مع تحويل غزة إلى مركز تجاري يربط بين الشرق الأوسط وأوروبا.
ويرى مراقبون أن هذا النموذج المستوحى من مناطق اقتصادية في الإمارات، يوفر فرصة لإدماج الشباب الفلسطيني في الاقتصاد العالمي، مما يقلل من جاذبية التطرف.
وتشير تقديرات إلى إمكانية خلق 100,000 وظيفة في غضون خمس سنوات، مما يعزز الاستقرار الاجتماعي.
نزع السلاح وقوة دولية مستقرة
تشترط خطة ترامب بشأن غزة تدمير الأنفاق والبنية التحتية العسكرية وإخضاع غزة لعملية نزع سلاح بإشراف مراقبين مستقلين، مع تمويل دولي لبرامج إعادة الدمج.
كما ستُنشر قوة استقرار دولية (ISF) بالتعاون مع مصر والأردن، لتدريب قوات شرطة فلسطينية جديدة وتأمين الحدود ومنع تهريب الأسلحة، إلى حين اكتمال انسحاب الجيش الإسرائيلي.
وأكد نتنياهو أن “القوة الدولية ستكون الدرع ضد أي تهديد إرهابي”، مشدداً على أن الانسحاب التدريجي مرتبط بنزع السلاح بالكامل.
هذا الجانب يطمئن إسرائيل، بينما يوفر للفلسطينيين قوات أمنية محايدة، مما يعكس التوازن الغربي بين الأمن والعدالة.
حل الدولتين في خطة ترامب بشأن غزة
تشير خطة ترامب بشأن غزة إلى أن إعادة إعمار غزة وربطها ببرنامج إصلاح السلطة الفلسطينية يمكن أن يفتح الطريق نحو “مسار موثوق” لتحقيق تطلعات الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والدولة المستقلة، كما ستطلق الولايات المتحدة حواراً سياسياً بين إسرائيل والفلسطينيين لبحث أفق سلام دائم.
وتمثل هذه الخطة امتداداً لخطة ترامب 2020، مع التركيز على الحل الدولتين كوسيلة لمنع تكرار 7 أكتوبر.
ومن شان الخطة أيضا أن تكون مقدمة للتطبيع الإسرائيلي السعودي ودمج إسرائيل أكثر في الشرق الأوسط الجديد الذي لن تكون فيه المتاجرة بفلسطين.
