تتحول قضية ترحيل آلاف الباكستانيين من الإمارات إلى أزمة دبلوماسية وإنسانية مكتومة، بعدما تحدثت تقارير حديثة عن حملة واسعة طالت نحو 15 ألف باكستاني خلال الأسابيع الأخيرة، بينهم عدد كبير من أبناء الطائفة الشيعية، وسط روايات عن توقيفات مفاجئة، ترحيل سريع، غياب للتهم الرسمية، وصمت رسمي باكستاني يثير غضب العائلات المتضررة.
القضية، كما عرضتها مجلة New Lines Magazine ثم تناقلتها وسائل أخرى، لا تبدو مجرد حملة هجرة عادية ضد مخالفين أو حملة أمنية محدودة. إنها، وفق الشهادات المنشورة، عملية واسعة ضربت عمالًا وموظفين ومهنيين عاش بعضهم في الإمارات لسنوات طويلة، ثم وجدوا أنفسهم فجأة في مراكز احتجاز، وبعدها على طائرات عائدة إلى باكستان، من دون تفسير واضح أو فرصة حقيقية لترتيب حياتهم المالية والعائلية.
ترحيلات مفاجئة بلا تهم واضحة
بحسب تقرير New Lines Magazine المنشور في 29 أبريل 2026، تحدث عدد من الباكستانيين عن نمط متكرر من التوقيفات: أشخاص يُستدعون أو يُقبض عليهم من أماكن العمل أو المنازل أو الأماكن العامة، ثم يُنقلون بين مرافق احتجاز، قبل أن يُرحّلوا إلى باكستان خلال أيام قليلة، من دون تقديم اتهامات رسمية واضحة أو مسار قانوني مفهوم.
إحدى الشهادات الأكثر لفتًا كانت لامرأة تُدعى سارة علي، قالت إن زوجها الذي عمل لأكثر من عقد في هيئة الطرق والمواصلات بدبي فوجئ بظهور اسمه وصورته في نظام أمني، ثم جرى توقيفه رغم أن الضباط في موقع العمل كانوا يعرفونه شخصيًا، ونقلت المجلة عنها قولها إن زوجها كان “في حالة صدمة كاملة”، وإنه سُئل عما فعله قبل أن يُسحب هاتفه ويُحتجز.
هذه التفاصيل، إن صحت كما وردت في الشهادات، تكشف طبيعة مرعبة للحملة: المقيم الذي بنى حياته في الإمارات قد يجد نفسه فجأة خارج البلاد، لا بسبب حكم قضائي معلن، بل بسبب قرار أمني لا يعرف أسبابه ولا يستطيع الطعن فيه بسهولة.
لماذا الشيعة الباكستانيون في قلب القصة؟
الأكثر حساسية في القضية أن كثيرًا من المتضررين، وفق التقرير، ينتمون إلى الطائفة الشيعية، وهذا ما جعل الملف يتجاوز قضية الهجرة والعمل إلى شبهة استهداف طائفي أو أمني مرتبط بالتوتر الإقليمي مع إيران.
نقلت New Lines Magazine عن رجل الدين الشيعي الباكستاني محمد أمين شهيدي قوله إن الإمارات أطلقت ما يبدو أنه “حملة منظمة لترحيل الشيعة من البلاد”، مضيفًا أن كثيرين أُعيدوا إلى باكستان من دون فرصة لسحب أموالهم أو تسوية أوضاعهم المالية.
لكن من المهم هنا التمييز بين الرواية الحقوقية والرواية الرسمية إذحتى الآن، لا توجد بيانات إماراتية مفصلة تؤكد أن الحملة تستهدف طائفة بعينها، كما أن بعض التقارير التي نقلت الخبر أوضحت أنها لا تستطيع التحقق المستقل من كل المزاعم المنشورة.
من المهم الإشارة إلى أن الكثير من الشيعة وحتى السنة والمسلمين المقيمين في الإمارات من الجاليات المختلفة أظهروا تعاطفا مع إيران رغم أنهم في بلد متضرر من العدوان الإيراني على الخليج وهذا أمر لا يمكن أن يمر بدون حساب، ومن المتوقع أن تعمل دول الخليج على ترحيل الآلاف ممن تفاعلوا بشكل إيجابي مع العدوان الإيراني.
الأمن الإماراتي وهاجس إيران
تأتي هذه الحملة المزعومة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. الإمارات، مثل بقية دول الخليج، تعيش تحت ضغط أمني متصاعد بسبب حرب إيران، وشبكات النفوذ المرتبطة بطهران، والقلق من خلايا أو تحركات يمكن أن تستغل وجود جاليات كبيرة من دول ذات روابط دينية أو سياسية مع إيران.
وهنا يمكن فهم جزء من السلوك الإماراتي من زاوية أمنية: الدولة التي تعتمد على الاستقرار، المال، السياحة، المطارات، الموانئ، والعلاقات الدولية، لا تتحمل أي شكوك أمنية داخلية في لحظة حرب إقليمية، لذلك، قد تكون الأجهزة الأمنية قد فضّلت سياسة “التنظيف الوقائي” أو خفض المخاطر، خصوصًا تجاه أفراد ترى أنهم يشكلون خطرًا محتملًا أو يصعب التحقق من ولاءاتهم.
لكن المشكلة أن الأمن حين يعمل بلا شفافية يتحول إلى أزمة حقوقية ودبلوماسية. إذا كان هناك متهمون حقيقيون، فالسؤال: ما التهم؟ أين الإجراءات؟ ما حق الدفاع؟ وإذا لم تكن هناك تهم، فكيف يُرحّل أشخاص عاشوا وعملوا لسنوات من دون مسار واضح؟
علاقات إماراتية باكستانية تزداد برودة
القضية لا تأتي في فراغ. العلاقات بين الإمارات وباكستان تمر بمرحلة فتور واضح، تتداخل فيها الملفات الأمنية والاقتصادية والهجرة والعمل والتحالفات الإقليمية.
خلال الأشهر الماضية، ظهرت تقارير عن تشديد إماراتي على التأشيرات الخاصة بالباكستانيين، في سياق مخاوف من مخالفات، جرائم، وتسول، وهي قضية أثارتها أيضًا دول خليجية أخرى.
ونقلت تقارير هندية عن مصادر باكستانية أن الإمارات علّقت أو شددت منح تأشيرات عادية للباكستانيين، مع استمرار السماح لفئات محدودة مثل حاملي الجوازات الدبلوماسية أو الرسمية.
كما سبقت ذلك تقارير عن ترحيل آلاف الباكستانيين من السعودية والإمارات بسبب اتهامات مرتبطة بالتسول أو مخالفات الإقامة، وهو ما يعكس صورة سلبية متزايدة عن جزء من الهجرة الباكستانية في الخليج، ويزيد حساسية الملف لدى الحكومات المضيفة.
لكن ترحيل مهنيين وعمال مستقرين، وفق رواية New Lines، يختلف عن حملات التسول أو مخالفي الإقامة، هنا لا نتحدث عن أشخاص دخلوا بطرق غير نظامية فقط، بل عن مقيمين لديهم وظائف وأسر وحسابات وحياة كاملة داخل الإمارات.
الإمارات تقترب من الهند.. وباكستان تفقد وزنها التقليدي
أحد العوامل الأوسع في خلفية الأزمة هو إعادة تموضع الإمارات في جنوب آسيا، حيث طورت أبوظبي خلال السنوات الأخيرة علاقات عميقة مع الهند في التجارة والاستثمار والتكنولوجيا والأمن والطاقة.
وتعد الهند اليوم ليست فقط سوقًا ضخمة، بل قوة صاعدة، وشريكًا اقتصاديًا عالميًا، وجالية هندية كبيرة ومنظمة ومؤثرة في الخليج.
في المقابل، تبدو باكستان مثقلة بالأزمات من ديون واضطراب سياسي وضعف اقتصادي وتوتر أمني، وصورة سلبية حول الهجرة غير النظامية في الخليج.
هذا لا يعني أن الإمارات ستقطع العلاقة مع باكستان، لكنها لم تعد مضطرة إلى التعامل معها بالمنطق القديم نفسه، خاصة في ظل صعود الهند كشريك أكبر وأكثر نفعًا في الحسابات الخليجية.
من هذه الزاوية، يمكن قراءة الحملة على أنها جزء من تبدل ميزان القوة، إذ أبوظبي تشدد على إسلام آباد لأنها تستطيع ذلك، ولأن باكستان لم تعد تملك أوراق ضغط كافية.

