
عاد الحديث عن تحالف الصين وروسيا والهند إلى الواجهة بعد أن استضافت الصين قمة منظمة شنغهاي للتعاون (SCO) في مدينة تيانجين، ثم إقامتها استعراضا عسكريا كبيرا في بكين بمناسبة الذكرى الـ80 لانتصار الحرب الصينية ضد اليابان والحرب العالمية الثانية.
جذب هذان الحدثان أنظار العالم، وسرعان ما انتشرت تعليقات إعلامية غربية ترسم صورة لصين تقود تحالفاً مضاداً للغرب، يضم روسيا والهند وحتى كوريا الشمالية وإيران.
لكن، بناءً على تحليل الأحداث الفعلية وبعيدا عن الدعاية الإعلامية، يبدو أن هذه الرواية ليست سوى كذبة إعلامية وتضليل جيوسياسي يخفي الواقع المعقد للدبلوماسية الصينية.
دعونا ننظر إلى الأدلة بعمق، خلال قمة SCO التي عقدت من 31 أغسطس إلى 1 سبتمبر 2025 في تيانجين، رأينا رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدثان مع الرئيس الصيني شي جين بينغ.
هذه الصورة الثلاثية أثارت ضجة إعلامية، حيث زعم بعض المحللين أنها إشارة إلى محاولة الدول الثلاث لمواجهة الغرب بشكل مشترك، ومع ذلك، فإن البراهين غير كافية لدعم هذا الادعاء.
قبل زيارة مودي إلى الصين، كانت وسائل الإعلام الهندية تتكهن بإمكانية عقد قمة ثلاثية رسمية بين الصين والهند وروسيا، لكن ذلك لم يحدث، قبل جائحة كوفيد-19، كانت الدول الثلاث تعقد اجتماعات ثلاثية رسمية بانتظام، فلماذا غابت هذه المرة؟
الجواب يكمن في التوازن الدبلوماسي الذي تسعى إليه كل دولة، من جانب الهند، يبدو أن مودي غير مستعد للانخراط في تحالف يعرض علاقاته مع الغرب للخطر، خاصة مع الضغوط الأمريكية المتزايدة بشأن التجارة والطاقة، فقد فرضت الولايات المتحدة تعريفات جمركية بنسبة 50% على البضائع الهندية في محاولة لإجبار الهند على التخلي عن واردات النفط الروسي المفيدة اقتصادياً، كما ذكرت تقارير إعلامية.
ومع ذلك، استمرت الهند في استيراد النفط الروسي مؤكدة أولوية أمنها الطاقي، أما الصين، فهي لا ترغب في إعطاء الانطباع الدولي بأنها تشكل “شبه تحالف” مع روسيا والهند ضد الغرب، لأن ذلك سيفيد روسيا أكثر من غيرها، فبوتين قد قطع معظم الروابط السياسية والاقتصادية والثقافية مع الغرب، وليس لديه الكثير ليخسره، بينما تحتاج الصين إلى الحفاظ على التفاعل مع الغرب لدعم اقتصادها العالمي.
بالإضافة إلى ذلك، لا يجد فكرة التحالف الثلاثي دعماً شعبياً في الصين، على سبيل المثال، أعرب مواطنون صينيون عاديون عن استيائهم من قرار مودي حضور منظمة شنغهاي للتعاون (SCO) بينما تخطى الاستعراض العسكري في بكين، كما انعكس في تعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي الصينية.
وتبقى الهند الوحيدة داخل منظمة شنغهاي للتعاون (SCO) التي لا تؤيد مبادرة “حزام واحد وطريق واحد” الصينية، مما يعكس عدم الثقة المتبادل. في مقال سابق كتبته لوسيلة إعلامية صينية، تلقيت مئات التعليقات من مستخدمي الإنترنت الصينيين، معظمها ينتقد مودي ويؤكد أن الهند لا تثق بالصين.
كما أن الإعلام الهندي يعكس وجهة نظر مشابهة، حيث يرى الهنود الصين بنفس الشك، لذا، بينما قد تتحسن العلاقات الصينية-الهندية، إلا أنها لا تستطيع تشكيل جبهة موحدة خارجياً خصوصا في ظل الصراعات الحدودية وآخر مواجهة عسكرية بين البلدين عام 2020 التي أدت إلى حظر مئات التطبيقات الصينية في الهند.
تجنب عقد قمة ثلاثية يشير بوضوح إلى أن لا الصين ولا الهند تريدان تدهور علاقاتهما مع الولايات المتحدة والغرب أكثر مما هو عليه وهما يرفضان الذهاب مع موسكو التي تحلم بذلك والتي لم يعد لديها ما تخسره.
القصة الثانية تأتي من الاستعراض العسكري في بكين، الذي أقيم في 3 سبتمبر 2025 بمناسبة الذكرى الـ80 لانتصار الحرب ضد اليابان، هنا أيضاً، لم يعقد قادة الصين وروسيا وكوريا الشمالية قمة ثلاثية رسمية، رغم التقاط صور لهم معاً أثناء مشاهدة الاستعراض من منصة تيانانمين.
اختيار الصين لتسليط الضوء على روسيا وكوريا الشمالية كشريكين أقربين كان مدفوعاً بأسباب تاريخية وعملية، تاريخياً، كانت الصين وروسيا وكوريا (قبل انقسامها) رفاقاً في مقاومة الغزو الياباني منذ أوائل الثلاثينيات، وقدموا تضحيات هائلة قبل دخول الولايات المتحدة الحرب رسمياً في 1941.
بعد الاستعراض، ذكر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الصين بمساعدات أمريكا خلال الحرب العالمية الثانية عبر وسائل التواصل، لكن الصين كانت قد أعدت ترتيبات للاعتراف بذلك، بما في ذلك دعوة أحفاد “النمور الطائرة” الأمريكيين لحضور الحدث، كما غطى الإعلام الرسمي الصيني الإسهام الأمريكي.
من الناحية العملية، تعتبر روسيا أكثر أصدقاء الصين موثوقية، بينما كوريا الشمالية حليفتها العسكرية الوحيدة بموجب معاهدة، لذا، كان من الطبيعي أن يقف بوتين وكيم بجانب شي، حتى لو حضر ترامب، لربما وقف بجانب بوتين، ولم تتغير الصورة، ومع ذلك، تجاهل معظم الإعلام عدم عقد قمة ثلاثية رسمية، والتي تعكس رفض الصين لإعطاء الانطباع بتحالف مضاد لأمريكا والغرب، فالصين تشارك مصالح كثيرة مع الغرب، مثل التجارة والتكنولوجيا، ولا تريد حرق جسورها.
حضور إيران في قمة شنغهاي والاستعراض أبرز أيضاً، حيث وصف وزير خارجية الاتحاد الأوروبي كايا كالاس الدول الأربع (الصين، روسيا، كوريا الشمالية، إيران) بأنها “تحد مباشر للنظام الدولي”.
قبل أشهر عندما شنت إسرائيل هجوما واسعا على إيران تخلت عنها كل من روسيا والصين، حيث لم تتدخل موسكو ولا بكين لدعم طهران في مواجهة تل أبيب التي تحظى بمساندة كليا من واشنطن، بل إن بوتين أكد على أن زوال إسرائيل غير مسموح به إذ أن اليهود الروس هناك يشكلون جالية كبرى في إسرائيل.
أضف إلى ذلك أن القراء الصينيين العاديين في الصحف الرقمية الصينية يزدادون خيبة أمل من إيران، معتبرين إياها محافظة جداً وضعيفة، وأن التحالف معها سيضر بصورة الصين ويصبح عبئاً استراتيجياً.
ذكرت تقارير إعلامية أن إيران طلبت شراء نظام الملاحة الصيني “بي دو” وطائرات مقاتلة وأنظمة دفاع جوي بعد الحرب مع إسرائيل، لكن مستخدمي الإنترنت الصينيين عارضوا ذلك بالإجماع، خوفاً من تسرب أسرار التكنولوجيا إلى الغرب بسبب سجل إيران الأمني السيئ.
وبناء على ما سبق لا يوجد “محور أربع دول”، رغم تعزيز التعاون في بعض المجالات، حيث تتعامل الصين مع كل علاقة بشكل منفصل، وتضبط مشاركاتها بعناية لتجنب إضرار علاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا.
