
بينما تواصل شركات التكنولوجيا الأمريكية إنفاق مئات المليارات من الدولارات على الذكاء الاصطناعي، شهدت الصين انهيارًا حادًا في أسهم الشركات المرتبطة بهذه الصناعة، بعدما تبخرت نحو 480 مليار دولار من قيمتها السوقية خلال أقل من أربعة أشهر، في تطور يثير تساؤلات بشأن قدرة الطفرة العالمية على الاستمرار.
ووفقًا لتحليل نشرته وكالة رويترز في 26 أكتوبر 2026، فقد مؤشر STAR 50 الصيني، الذي يضم شركات بارزة في صناعة الرقائق والتكنولوجيا المتقدمة، نحو 40% من قيمته مقارنة بذروته الصيفية، فيما تعرضت أسهم شركات كانت من أبرز المستفيدين من حمى الذكاء الاصطناعي لخسائر وصلت إلى 60%.
وتأتي هذه الانخفاضات بعدما راهن المستثمرون على أن شركات الذكاء الاصطناعي الصينية ستتحول إلى محركات نمو ضخمة للاقتصاد، لكن المخاوف بشأن ضعف الطلب والقيود الأمريكية على الصادرات والمبالغة في تقييم الأسهم دفعت الكثيرين إلى إعادة النظر في تلك التوقعات.
ورغم أن التراجع لا يعني انهيار صناعة الذكاء الاصطناعي الصينية نفسها، فإنه يكشف عن فجوة متزايدة بين التوقعات التي بُنيت عليها أسعار الأسهم والإيرادات الفعلية التي تستطيع الشركات تحقيقها.
كيف خسرت شركات الذكاء الاصطناعي الصينية 480 مليار دولار؟
شهدت أسواق الأسهم الصينية خلال العامين الماضيين موجة صعود قوية لشركات الذكاء الاصطناعي والرقائق وأشباه الموصلات، مدفوعة بالتفاؤل الحكومي والتقدم التقني الذي حققته شركات محلية في تطوير النماذج والروبوتات ومعدات مراكز البيانات.
لكن هذا التفاؤل تحول تدريجيًا إلى موجة بيع واسعة، بعدما بدأت التقييمات المرتفعة تصطدم بمخاوف بشأن قدرة الشركات على تحقيق أرباح تبرر أسعار أسهمها.
وبحلول أواخر أكتوبر، تراجع مؤشر STAR 50 بنحو 40% خلال أقل من أربعة أشهر، ما أدى إلى محو قرابة 480 مليار دولار من القيمة السوقية للشركات المدرجة فيه.
كما هبط مؤشر CSI 300، الذي يضم مجموعة من أكبر الشركات المدرجة في شنغهاي وشنتشن، بنحو 20% مقارنة بذروته المسجلة في يونيو.
وامتدت الخسائر إلى شركات بارزة مثل يوني تري المتخصصة في الروبوتات، وميتا إكس ومور ثريدز العاملتين في تطوير الرقائق، إضافة إلى شركات توريد المكونات البصرية المستخدمة في مراكز البيانات.
وكانت بعض هذه الأسهم قد سجلت ارتفاعات استثنائية عند طرحها للتداول، قبل أن تفقد أجزاء كبيرة من قيمتها خلال الأشهر التالية.
ولا تمثل خسارة 480 مليار دولار إنفاقًا نقديًا ضائعًا، بل انخفاضًا في القيمة الإجمالية التي يمنحها المستثمرون للأسهم، وهو فارق مهم لفهم طبيعة الأزمة.
لماذا انفجرت فقاعة الذكاء الاصطناعي في الصين؟
يرجع المحللون التراجع إلى مجموعة من العوامل الاقتصادية والتجارية، في مقدمتها المبالغة في تقييم شركات الذكاء الاصطناعي خلال موجة الصعود السابقة.
فبحسب رويترز، كان مؤشر STAR 50 يتداول عند مستويات تقارب 250 ضعف أرباح الشركات خلال ذروة المضاربة، قبل أن يتراجع المضاعف إلى نحو 100 ضعف الأرباح في أواخر أكتوبر.
ورغم الانخفاض الكبير، يبقى هذا المستوى مرتفعًا مقارنة بمؤشرات تكنولوجية عالمية، ما يعكس استمرار توقعات المستثمرين بتحقيق نمو مستقبلي استثنائي.
لكن المشكلة أن بعض الشركات لا تزال بعيدة عن توليد الأرباح اللازمة لتبرير تلك التقييمات، في وقت تتزايد فيه المنافسة وتتراجع أسعار الخدمات التقنية.
كما أثرت مخاوف فرض قيود أمريكية جديدة على استخدام المكونات الصينية في مراكز البيانات الغربية، خصوصًا لدى الشركات التي كانت تراهن على التوسع في الأسواق العالمية.
وبالتزامن مع ذلك، يعاني الاقتصاد الصيني من ضعف الطلب المحلي واستمرار الضغوط في قطاع العقارات، ما يقلل شهية المستثمرين للمخاطرة بأسهم مرتفعة التقييم.
الذكاء الاصطناعي الصيني يواجه مشكلة مختلفة عن أمريكا
تختلف طبيعة المنافسة في سوق الذكاء الاصطناعي الصيني عن النموذج التجاري الذي تتبعه شركات أمريكية كبرى.
ففي الولايات المتحدة، تعتمد شركات مثل أوبن إيه آي وأنثروبيك بدرجة كبيرة على بيع الاشتراكات والوصول المدفوع إلى نماذجها وخدماتها، بينما تبنت شركات صينية عديدة استراتيجية توفير نماذج بأوزان مفتوحة أو بأسعار منخفضة، لتحقيق الانتشار وجذب المستخدمين والمطورين.
وقد ساعدت هذه الاستراتيجية شركات مثل ديب سيك وعلي بابا وميني ماكس على تعزيز حضورها في سوق النماذج العالمية، لكنها ساهمت أيضًا في اشتعال المنافسة السعرية.
وتكمن المفارقة في أن انخفاض تكلفة استخدام النماذج قد يكون مفيدًا للشركات والمستهلكين، لكنه يفرض ضغوطًا على هوامش أرباح المطورين الذين يتحملون تكاليف كبيرة لتدريب النماذج وتشغيلها.
وتتطلب النماذج المتقدمة استثمارات متزايدة في الرقائق ومراكز البيانات والكهرباء والباحثين، ما يجعل تحقيق عوائد مالية مستدامة أمرًا بالغ الأهمية.
ولهذا لا يكفي نجاح الشركة في تطوير نموذج متقدم أو استقطاب ملايين المستخدمين لضمان نجاحها المالي، إذا لم تتمكن من تحويل هذا الانتشار إلى إيرادات وأرباح.
بكين تحاول إنقاذ سوق الأسهم الصينية
أثار تراجع أسهم التكنولوجيا قلق السلطات الصينية، خصوصًا أن الحكومة شجعت خلال السنوات الماضية توجيه جزء من مدخرات الأسر نحو سوق الأسهم لدعم الابتكار وتمويل الشركات المحلية.
وبحسب تقرير لشبكة سي إن إن في 30 أكتوبر، تدخلت بكين بضخ نحو 19 مليار دولار في صناديق الاستثمار المتداولة، في واحدة من أكبر عمليات دعم السوق منذ أوائل عام 2025.
كما أعلنت السلطات لاحقًا إجراءات لتوفير السيولة للمؤسسات المالية وتشجيع عمليات إعادة شراء الأسهم، بهدف الحد من الضغوط التي تواجه السوق.
لكن هذه التدخلات لم تنجح في إيقاف التراجع بصورة مستدامة، إذ استمرت التقلبات الحادة وسط مخاوف المستثمرين من ضعف النمو الاقتصادي وتراجع الأرباح.
وتمثل الأزمة تحديًا لجهود بكين الرامية إلى بناء سوق مالية أكثر استقرارًا تستطيع تمويل الشركات التكنولوجية على المدى الطويل، بدل الاعتماد على موجات المضاربة التي تنتهي بتصحيحات حادة.
هل تنتقل فقاعة الذكاء الاصطناعي من الصين إلى أمريكا؟
لا تقتصر المخاوف بشأن المبالغة في تقييم شركات الذكاء الاصطناعي على الصين، فقد شهدت وول ستريت بدورها موجة بيع قوية في نوفمبر، مع تزايد الشكوك حول حجم الاستثمارات المطلوبة لبناء مراكز البيانات الجديدة.
وفي 5 نوفمبر 2026، انخفض مؤشر ناسداك الأمريكي بنسبة 5.5%، بينما تراجع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 4.4%، في واحدة من أقوى موجات الهبوط منذ أشهر.
وكانت شركات مرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي من أبرز المتضررين، إذ هبط سهم إنفيديا بنسبة 9.3%، بينما انخفض سهم إيه إم دي بنسبة 17.3%.
وتعكس هذه التحركات قلق المستثمرين من احتمال تباطؤ بناء مراكز البيانات، أو تأخر العائدات الاقتصادية المتوقعة من الاستثمارات الضخمة التي تضخها الشركات الأمريكية في القطاع.
لكن من المبكر اعتبار التراجع الأمريكي تكرارًا مطابقًا لما حدث في الصين، لأن طبيعة الشركات المدرجة ومصادر إيراداتها ومراكزها المالية تختلف بين السوقين.
كما أن انخفاض أسعار الأسهم لا يعني بالضرورة تراجع الطلب الفعلي على تطبيقات الذكاء الاصطناعي أو توقف الشركات عن تطوير تقنياتها.
هل انتهت طفرة الذكاء الاصطناعي؟
تكشف الأزمة الصينية أن التقدم التكنولوجي لا يضمن بالضرورة ارتفاع أسعار أسهم الشركات المستفيدة منه إلى ما لا نهاية.
وقد تستمر صناعة الذكاء الاصطناعي في النمو، وتصبح تطبيقاتها أكثر انتشارًا، حتى إذا تعرض المستثمرون الذين اشتروا الأسهم عند تقييمات مبالغ فيها لخسائر كبيرة.
وهو ما حدث في مراحل سابقة من التاريخ الاقتصادي، عندما تراجعت أسهم شركات مرتبطة بتقنيات واعدة، دون أن يؤدي ذلك إلى اختفاء التكنولوجيا نفسها.
وتطرح التطورات الحالية ثلاثة أسئلة أساسية أمام المستثمرين: هل تستطيع شركات الذكاء الاصطناعي تحقيق إيرادات تبرر حجم الإنفاق؟ وهل سيستمر الطلب على الرقائق ومراكز البيانات بالمعدلات المتوقعة؟ وأي الشركات ستتمكن من تحويل التفوق التقني إلى أرباح فعلية؟
أما بالنسبة إلى الصين، فإن انخفاض التقييمات قد يجعل تمويل المشروعات الجديدة أكثر صعوبة، خصوصًا للشركات الصغيرة التي تعتمد على جمع رؤوس الأموال من الأسواق.
وفي المقابل، قد تستفيد الشركات ذات الموارد المالية القوية والمنتجات التجارية القابلة للاستمرار من تراجع المنافسين الأضعف، وإعادة توزيع الاستثمارات نحو المشروعات الأكثر ربحية.
وبينما تتنافس الصين والولايات المتحدة على قيادة ثورة الذكاء الاصطناعي، فإن خسارة 480 مليار دولار من القيمة السوقية للأسهم الصينية تقدم درسًا مهمًا: التكنولوجيا الواعدة قد تغير الاقتصاد العالمي بالفعل، لكن ذلك لا يعني أن كل شركة مرتبطة بها تستحق التقييمات الهائلة التي يمنحها المستثمرون لها.
