في السابع من يناير 2026، أصدر الرئيس دونالد ترامب توجيهًا شاملًا بالانسحاب من 66 منظمة واتفاقية ومعاهدة دولية، باعتبارها “متعارضة مع مصالح الولايات المتحدة”.
وبين هذه القرارات، برز قرارٌ ذو تداعيات استراتيجية بالغة الأهمية، ألا وهو انسحاب الولايات المتحدة من تحالف حرية الإنترنت (FOC)، التحالف الوحيد الملتزم صراحةً بالدفاع عن حقوق الإنسان وانفتاح الإنترنت.
لم يكن هذا مجرد تعديل بيروقراطي غامض بل كان بمثابة إعلان، فقد تخلت الولايات المتحدة رسميًا عن عنصر أساسي من البنية المعيارية التي ساهمت في بنائها لتشكيل الإنترنت العالمي.
ومهما كانت الخطابات التي ستستخدمها واشنطن محليًا ودوليًا، فإن الرسالة واضحة لا لبس فيها: لم تعد حرية الإنترنت ركنًا أساسيًا في السياسة الخارجية الأمريكية.
وقد أُطلق تحالف حرية الإنترنت (FOC) عام 2011 في مؤتمر وزاري في لاهاي، في وقت كان فيه التفاؤل بشأن الإمكانات الديمقراطية للإنترنت لا يزال قائمًا، ولكنه كان مُعرَّضًا للضغوط.
استغلت وزيرة الخارجية آنذاك، هيلاري رودام كلينتون، هذه المناسبة لتوضيح فكرة بسيطة، أن الحقوق نفسها التي يتمتع بها الناس في العالم الواقعي حرية التعبير، والخصوصية، والتجمع يجب حمايتها على الإنترنت.
لم تكن رؤية الولايات المتحدة الأصلية مجرد نظرية، بل كان لها تداعيات ملموسة على المعارضين على أرض الواقع.
ولنأخذ على سبيل المثال احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية” في إيران عام 2022، عندما فرضت الحكومة الإيرانية انقطاعًا شبه كامل للإنترنت للتغطية على حملتها القمعية، مثّلت جبهة التحرير الوطنية المحرك الدبلوماسي الرئيسي لـ”البيان المشترك بشأن إغلاق الإنترنت في إيران”.
لم يكن هذا مجرد حبر على ورق، بل نسّق جهدًا متعدد الأطراف للضغط على شركات التكنولوجيا لتوفير أدوات تجاوز وروابط عبر الأقمار الصناعية للمتظاهرين.
وكما أشار النشطاء الإيرانيون في ذلك الوقت، فإن اعتراف جبهة التحرير الوطنية الجماعي بحقهم الرقمي في التجمع وفّر الشرعية السياسية اللازمة لوادي السيليكون للتدخل في منطقة نزاع.
بانسحابها الآن، تُفكّك الولايات المتحدة الآلية التي حوّلت القيم الغربية يومًا ما إلى شريان حياة لمن يعيشون خلف جدار الحماية.
انطلقت جبهة حرية الإنترنت من مجموعة أولية تضم نحو 15 دولة، لتتوسع إلى تحالف يضم أكثر من 40 حكومة من مختلف المناطق ومستويات الدخل والأنظمة السياسية، وهي منظمة غير رسمية عمداً، قائمة على التوافق، وتتبنى توجهاً واضحاً نحو تعدد الأطراف المعنية.
لم يكن هدفها قط إبرام معاهدات، بل بناء معايير: إصدار بيانات مشتركة، وتنسيق الضغوط الدبلوماسية، وتوفير غطاء سياسي لجهات المجتمع المدني العاملة في بيئات رقمية معادية.
لم تكن الولايات المتحدة يوماً الركيزة الوحيدة لجبهة حرية الإنترنت. فقد اضطلعت الحكومات الأوروبية، والدول الصغيرة ذات السياسات الرقمية المتقدمة، ودول الجنوب العالمي بأدوار مؤثرة، إلا أن واشنطن كانت محركاً مبكراً سياسياً ودبلوماسياً ومالياً.
وأشارت مشاركتها إلى أن حرية الإنترنت لم تكن مجرد شعار غربي، بل أولوية استراتيجية تدعمها أقوى ديمقراطية في العالم.
من الخطأ الزعم بأن تحالف حرية الإنترنت سيتعثر، فضلاً عن أن ينهار، في غياب الولايات المتحدة يتمتع التحالف باستمرارية مؤسسية راسخة، ووحدة دعم فعّالة، وقيادة متناوبة، وعضوية ملتزمة ومتنوعة تُدرك غايته وقيمته، وربما بوضوح متجدد في هذه اللحظة.
في الواقع، قد يُتيح انسحاب الولايات المتحدة لتحالف حرية الإنترنت تعزيز مكانته كمنتدى دبلوماسي تعددي حقيقي، أقل تأثراً بتقلبات السياسة الداخلية الأمريكية وأكثر رسوخاً في الملكية الدولية المشتركة.
رغم ذلك لم ينبع تأثير تحالف حرية الإنترنت قط من بياناته الرسمية أو هيكله المؤسسي فحسب، بل من السياق الجيوسياسي الأوسع الذي تم فيه التعبير عن مواقفه.
عندما تحدثت الدول الأعضاء جماعياً عن إغلاق الإنترنت، أو ممارسات المراقبة، أو القمع الرقمي، تعززت تلك التدخلات بوجود جهات فاعلة قادرة على بسط نفوذها عبر مجالات سياسية متعددة، كالتجارة والأمن والتنمية والدبلوماسية.
إن انسحاب أحد هذه الأطراف لا يُسكت التحالف، ولكنه سيُغير على الأقل في المدى القريب كيفية استقبال تدخلاته ومناقشتها في المحافل الدولية.
في السياسة الدولية، نادرًا ما يكون الغياب محايدًا، فهو يُغير ساحة النقاش حول المعايير وممارسة النفوذ، ويُعيد تحديد من له الكلمة المسموعة وتحت أي ظروف.
فإذا كان انسحاب منظمة “قوة التغيير” بمثابة خروج هادئ من الباب الخلفي، فإن الإجراءات الأخيرة الأخرى كانت بمثابة ضربة قاضية من الباب الأمامي.
يتخلل هذا التراجع انسحابٌ متزامنٌ من هيئاتٍ أخرى، بما فيها المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب، وهو هيئةٌ أساسيةٌ للأمن الرقمي.
بقطع هذه الروابط، لا تكتفي واشنطن بالانسحاب من نقاش حرية الإنترنت، بل تُفكك شبكات الأمان متعددة الأطراف المصممة لحماية الأجهزة والشبكات التي تعتمد عليها هذه الحرية.
ولذلك، من المهم الإشارة إلى أن الانسحاب من تحالف حرية الإنترنت لا ينبغي فهمه بمعزلٍ عن غيره، بل يندرج ضمن نمطٍ أوسع للسياسة الخارجية الأمريكية يتسم بشكلٍ متزايدٍ بالعمل الأحادي والانسحاب الانتقائي من القيود متعددة الأطراف.
بالنسبة للدول التي تشكك أصلًا في مزاعم الغرب بوجود “نظام دولي قائم على القواعد” فإنّ هذا الوضع مُضرّ، أما بالنسبة للحكومات الاستبدادية فهي تراه مُفيدا.

