الصناعة في المغرب

أظهرت بيانات بنك التنمية الأفريقي تحول المغرب إلى أكبر قوة صناعية في أفريقيا متجاوزا جنوب أفريقيا التي ظلت مسيطرة على هذا اللقب لعقود.

وخلال السنوات الماضية رسّخ المغرب مكانته كواحد من أكثر الاقتصادات الصناعية ديناميكية في أفريقيا بفضل استراتيجية مستدامة على مرّ الزمن تجمع بين الاستقرار المؤسسي، والانفتاح التجاري، والاستثمار في البنية التحتية، والتنويع القطاعي.

وقد تحقق هذا بفضل رؤية الملك محمد السادس الذي ركز خلال عهده على التنمية الاقتصادية والقضاء على الفقر والتهميش وحل المشاكل الكبرى التي ورثها عن والدها الحسن الثاني المعروف باستكمال استرجاع الصحراء المغربية.

وخلال 27 عاما من حكمه حقق الملك الحالي إنجازات كبرى ونقلة نوعية على المستوى الاقتصادي والصناعي وحصل أيضا على استضافة كأس العالم 2030 كما أنه يقترب من انتصار ساحق في قضية الصحراء التي تعد ملفا مستنزفا لتركيز المغرب ومهددا لوحدته الترابية.

المغرب دولة صناعية وليس دولة زراعية!

لا تعتمد قوة صناعة المغرب على محرك واحد، بل على عدة عوامل تدعم بعضها بعضاً، فالثقل الاستراتيجي للفوسفات، ونمو قطاع السيارات، وتوسع قطاع الطيران، والدعم اللوجستي الذي يوفره ميناء طنجة المتوسط، والزراعة، والسياحة، كلها عوامل حوّلت البلاد إلى مركز للصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة العالية، وولّدت القدرة على جذب رؤوس الأموال الأجنبية إلى مناطق حرة متطورة وأنظمة إنتاجية متطورة.

وقد تحولت المملكة المغربية اليوم إلى منصة متكاملة للصناعات المختلفة بتكلفة أقل والأهم أنه يمكن شحن السلع منه بأيسر الطرق إلى الأسواق الأوروبية، وقد اعتمدت عليه فرنسا وعدد من الدول الأوروبية وأيضا الصين وشركات أمريكية لصناعة المركبات والسيارات ومنتجات أخرى وتصديرها إلى الأسواق الأوروبية وأيضا دول جنوب الصحراء.

وتدعم هذه الصناعات اقتصاداً تمثل فيه الخدمات 57% من الناتج المحلي الإجمالي، وتقترب الصناعة فيه من 29%، والزراعة من 14%.

ونتيجة لذلك لم يعد المغرب يعتمد بشكل أحادي على الزراعة كركيزة أساسية لاقتصاده، فقد تحول هيكلياً نحو التصنيع (خاصة السيارات والطيران)، إضافة إلى تعزيز الخدمات والسياحة وبالتالي تنويع مصادر العملة الصعبة.

إقرأ أيضا: إسرائيل ستجعل الفلاحة المغربية أعظم وصحراء المغرب خضراء

المغرب يستنسخ التجربة الأسيوية

بينما تعتمد دول شمال أفريقيا الأخرى بشكل كبير على صادرات المحروقات في اقتصاداتها، اختار المغرب التصنيع عالي القيمة المضافة، ونقل الإنتاج إلى مناطق قريبة من الأسواق الأوروبية، والاستقرار السياسي لضمان بيئة أعمال مواتية.

إضافةً إلى ذلك، فإن التزامه الراسخ بالطاقات المتجددة، مثل مجمع نور ورزازات للطاقة الشمسية، يمنحه ميزة تنافسية في مواجهة معايير خفض الانبعاثات الكربونية الصناعية الجديدة في أوروبا.

وعلى النقيض من الركود أو التراجع الذي تعاني منه العديد من الدول الأفريقية فقد سلكت المملكة العلوية مسارًا أقرب إلى مسار الدول الآسيوية الصاعدة في سبعينيات القرن الماضي وهو التصنيع، والانفتاح التجاري، وجذب رؤوس الأموال الأجنبية.

ونتيجة لذلك تضاعف الناتج المحلي الإجمالي أكثر من ثلاث مرات منذ عام 2000، إذ ارتفع من حوالي 43 مليار دولار إلى أكثر من 154 مليار دولار، مدعومًا بنموذج اقتصادي متنوع لا يعتمد كليًا على المواد الخام.

ميناء طنجة المتوسط علامة فارقة

ويُعدّ ميناء طنجة المتوسط علامة فارقة في الصعود المغربي إذ تُشحن من هذا الميناء إلى 180 وجهة دولية السيارات والمركبات والسلع المختلفة، وقد استقطبت المملكة بفضله استثمارات صناعية جديدة بقيمة تقارب 40 مليار دولار (أي تلك التي تُعنى بإنشاء طاقات إنتاجية جديدة وتوفير فرص عمل محلية، بدلاً من شراء شركة أو منشأة قائمة) منذ عام 2020.

وقد نقلت شركات عالمية مثل رينو، وستيلانتس، وسيمنز، وإنديتكس، وديكاتلون جزءاً من إنتاجها إلى هناك، مستفيدةً من قربها من أوروبا والاتفاقيات التجارية التي وقّعتها، وبهذا المعنى، نمت الصادرات المغربية بمقدار الثلثين خلال السنوات الخمس الماضية بفضل بنيتها التحتية، وانفتاحها على العالم الخارجي، وانخفاض تكاليفها الصناعية.

ووفقًا لبيانات الاقتصاد الكلي، بين التسعينيات وعام 2020، ضاعف المغرب حجم اقتصاده ست مرات تقريبًا، وتجاوز نموه التراكمي نمو كوريا الجنوبية في بعض الفترات.

إقرأ أيضا: حقائق عن ميناء طنجة المتوسط أفضل ميناء في أفريقيا

دبلوماسية الفوسفاط المغربية

تكمن ثروة المغرب الكبرى في احتياطاته الهائلة من الفوسفات، التي تُعد من بين الأكبر في العالم، مما يُمكّنه من السيطرة على نحو 70% من الاحتياطيات العالمية المعروفة، ودعم صناعة كيميائية وأسمدة قوية من خلال مجموعة OCP الحكومية.

ولا تقتصر هذه الميزة الجيولوجية على جلب العملات الأجنبية وفرص العمل فحسب، بل تجعل من المغرب أيضاً لاعباً استراتيجياً في مجال الأمن الغذائي العالمي، إذ تُعد الأسمدة المشتقة من الفوسفات أساسية للإنتاجية الزراعية.

ورغم تميز المغرب أيضاً في قطاعات السيارات والطيران والزراعة والطاقة المتجددة، إلا أن أياً من هذه الصناعات لا يمتلك ثقلاً جيواقتصادياً مؤثراً مثل الفوسفات، الذي يُشكل الركيزة الأساسية لنموذجه التنموي.

وفي ظل التغير المناخي والأزمات التي تهدد النظام الغذائي العالمي يملك المغرب إضافة مهمة للعالم الذي يعاني منذ سنوات من تدهور غذائي بسبب فوضى سلاسل التوريد الناتجة عن حرب أوكرانيا ومن ثم صدمة الطاقة بسبب حرب إيران.

إقرأ أيضا: خطة المغرب لزيادة إنتاج الأسمدة بنسبة 70٪ لمكافحة المجاعة العالمية

تحديات تواجه الصناعة في المغرب

ورغم ذلك لا يزال المغرب يواجه تحديات كبيرة، مثل بطالة الشباب (35.8% في عام 2025)، والتفاوتات الإقليمية، ودين عام يقارب 70% من الناتج المحلي الإجمالي، والاعتماد على واردات خارجية محددة، فضلاً عن الحاجة إلى تحقيق نمو أكثر شمولاً وتوازناً، وهناك حالات فساد حكومية وبيروقراطية تعيق جهود الملكية المغربية لنقل البلاد إلى مستوى أعلى.

ومن التحديات الكبرى التي تواجه الصناعة المغربية هو أنه مستورد للطاقة خصوصا النفط والغاز، ورغم استثماره الكبير في الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر إلا أنه لا يزال يعتمد بصورة مهمة على الفحم الذي ينتجه محليا في انتاج الكهرباء، ولهذا يراهن على خط أنابيب الغاز النيجيري المغربي.

ومن المخاطر الأخرى التي تواجه تطور النظام الملكي العلوي الدين العام والخارجي، الذي يُقدّر بنحو 70% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى مرتفع بالنسبة لاقتصاد ناشئ، لا سيما وأن معظمه مُصدر بالدولار واليورو.

إضافةً إلى ذلك، يُعاني المغرب من عجز هيكلي في ميزان حسابه الجاري منذ سنوات، حيث يستورد أكثر مما يُصدّر، ويعتمد على السياحة والتحويلات المالية والتمويل الدولي لتحقيق التوازن في حساباته.

في ظل هذا الوضع، إذا ما حدثت صدمة مالية أو في سعر الصرف، فقد يواجه البلد توترات مماثلة لتلك التي شهدتها اقتصادات ناشئة أخرى مثقلة بالديون.

إقرأ أيضا: دليل شامل حول إنجازات الملك محمد السادس خلال 25 عام