مجلس السلام

تعود غزة اليوم إلى الواجهة بوصفها مقرًا لمؤسسة دولية جديدة وهي مجلس السلام، المبادرة المدعومة أمريكيًا لإعادة إعمار القطاع بعد الحرب، والتي لا تقتصر صلاحياتها على الإغاثة أو البناء، بل تمتد إلى أدوار أوسع قد تتجاوز حدود غزة نفسها.

وبحسب ما يُتداول، تبلغ كلفة العضوية مليار دولار لكل دولة، وهو رقم يكشف بوضوح أن المسألة لا تتعلق بالمساعدات الإنسانية بقدر ما تتعلق باعتبار غزة أصلًا استراتيجيًا، والسيطرة عليها شكلًا من أشكال النفوذ الجيوسياسي.

تقع غزة عند تقاطع جغرافي بالغ الحساسية، بين إسرائيل ومصر وبقية الشرق الأوسط، وهي في الوقت نفسه منطقة عازلة وبؤرة توتر دائمة.

سياسيًا، تخضع لحكم حركة حماس منذ عام 2007، وهي حركة ترتبط فكريًا بجماعة الإخوان المسلمين، وتنسج تحالفات مباشرة وغير مباشرة مع أطراف إقليمية كتركيا وقطر وإيران.

هذا التشابك حوّل القطاع إلى ساحة سياسة بالوكالة، تُمكّن قوى خارجية من توسيع نفوذها دون الانخراط في مواجهة مباشرة.

من منظور إسرائيل، تُعد غزة مسألة أمن قومي، منطقة يجب مراقبتها أو التحكم فيها لمنع ترسيخ قوى معادية على حدودها، أما بالنسبة لقوى إقليمية أخرى، فهي فرصة لاختبار التحالفات، وتوسيع الحضور السياسي، وإعادة رسم سرديات الشرعية والنفوذ.

وقد عكست الأحداث الأخيرة بوضوح هذه التناقضات، إذ عرقل وزراء إسرائيليون بارزون إعادة فتح معبر رفح مع مصر، رافضين الضغوط الأمريكية لتنفيذ أجزاء من خطة السلام المكوّنة من عشرين بندًا.

كما أبدى رئيس الوزراء الإسرائيلي تحفظه على وجود مسؤولين من تركيا وقطر في المجلس التنفيذي لغزة، خشية أن يشكل ذلك تهديدًا أمنيًا في ظل علاقاتهم بحماس.

في المقابل، ترى الولايات المتحدة أن إشراك هذه الأطراف جزء من مقاربة متعددة الأطراف تهدف إلى تحقيق الاستقرار، وفي الوقت ذاته، تعزيز النفوذ الدبلوماسي الأمريكي في منطقة شديدة الحساسية.

القضية هنا لا تتعلق بالقوات أو المساعدات فقط، بل تمتد إلى ما هو أعمق: النفوذ الإقليمي، إعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية، وحتى الفرص الاقتصادية الكبرى.

تقع غزة على مسارات محتملة للطاقة، بما في ذلك خطوط أنابيب غاز طبيعي قد تربط آسيا بالشرق الأوسط وأوروبا. وبالتالي، فإن إعادة إعمار القطاع والإشراف عليه تفتح الباب للسيطرة على طرق التجارة، وتدفقات الاستثمار، وشبكات الشراكات الاستراتيجية، ما يجعل غزة نموذجًا مصغرًا للصراع على القوة الاقتصادية والسياسية في العالم.

في سياق التطبيع السعودي الإسرائيلي، طُرح مشروع ضخم لتوسعة خط سكة حديد بقيمة 27 مليار دولار، يربط مناطق نائية داخل إسرائيل بتل أبيب الكبرى، مع احتمالات ربطه مستقبلًا بالسعودية والإمارات، وربما الهند، ورغم أن الفكرة قديمة نسبيًا، فإن الإعلان الرسمي عنها جاء في يوليو 2023، عقب تحركات دبلوماسية أمريكية مكثفة في المنطقة.

هذا المشروع، وإن بدا بنيويًا في ظاهره، يحمل أبعادًا استراتيجية عميقة. فالسكك الحديدية ليست مجرد وسيلة نقل ركاب، بل ممرات محتملة لنقل المواد والكيماويات، ومسارات مرافقة لخطوط أنابيب الطاقة العابرة للحدود.

كانت الهند قد درست في وقت سابق مسارًا تجاريًا عبر ميناء تشابهار الإيراني، ثم عبر ممرات تربط آسيا الوسطى بروسيا وأوروبا، لكن التعقيدات الجيوسياسية مع إيران دفعتها للبحث عن بدائل، فبرز الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، الذي وُقعت مذكرته في سبتمبر 2023 على هامش قمة العشرين، بمشاركة دول غربية وعربية رئيسية.

هذا الممر لا يهدف فقط لتجاوز نقاط الاختناق التقليدية، بل لتكريس ترابط جديد بين البنية التحتية والطاقة والتجارة والنفوذ الاستراتيجي.

وفي الشهر الماضي، زار رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس والرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس إسرائيل للقاء نتنياهو، على الأرجح لمناقشة الخيارات الجيوسياسية المذكورة آنفًا.

كما انتهزوا الفرصة لتوجيه رسالة مبطنة إلى تركيا، حيث قال نتنياهو: “على من يتوهمون إمكانية إعادة بناء إمبراطورياتهم وسيطرتهم على أراضينا أن ينسوا ذلك”.

من هنا، قد لا يكون مجلس السلام مجرد آلية لإدارة غزة، بل نموذجًا تجريبيًا لرؤية مختلفة للأمم المتحدة، حيث يصبح النفوذ مرتبطًا بالقدرة على التنفيذ، وتُربط السلطة بالمصالح الاستراتيجية، وتتركز الحوكمة في أيدي عدد محدود من الفاعلين المؤثرين.

غزة، في هذا المعنى، قد تكون حقل اختبار لنموذج جديد من الحوكمة الدولية، أقل حيادًا وأكثر عملية، والطريقة التي سيتعامل بها العالم مع هذا النموذج ستحدد ما إذا كانت المعايير الدولية ستتجه نحو المساءلة والواقعية، أم ستظل أسيرة دبلوماسية رمزية قليلة الجدوى.

انضمام ثماني دول إسلامية بارزة إلى المجلس، إلى جانب دول أخرى من قارات مختلفة، كشف عن طموح يتجاوز غزة، اللافت كان قبول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الدعوة، وهو ما علّق عليه ترامب بقوله إن المجلس يضم “شخصيات مثيرة للجدل لكنها تنجز العمل”، في إشارة صريحة إلى أن النفوذ، لا المثاليات، هو معيار العضوية الحقيقي.

أعلنت ثماني دول إسلامية بارزة، هي السعودية ومصر وتركيا وقطر والإمارات العربية المتحدة، يوم الأربعاء، انضمامها إلى مجلس السلام.

ومن بين الدول التي قبلت الانضمام بالفعل نجد إسرائيل والأرجنتين وأذربيجان والبحرين وبيلاروسيا والمجر وكازاخستان وكوسوفو والمغرب وفيتنام.

وعندما صرّح ترامب بأن المجلس “سينجز ما كان ينبغي على الأمم المتحدة إنجازه”، ثم لمح إلى إمكانية أن يحل محلها، لم يكن ذلك مجرد استفزاز إعلامي، بل توصيفًا صريحًا لأزمة ثقة عميقة.

بعض دول أوروبا الغربية اختارت الانسحاب أو الحياد، فيما رفضت دول أخرى الانضمام أصلًا، رغم توجيه الدعوة لعشرات الدول، هذا الرفض لا يعكس بالضرورة موقفًا مبدئيًا، بقدر ما يعكس ارتباطًا مؤسسيًا بنظام دولي قائم، بات عاجزًا عن إنتاج نتائج ملموسة.

فالأمم المتحدة صُممت لعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، عالم ثنائي القطبية نسبيًا، تحكمه معايير واضحة، أما عالم اليوم، فهو متعدد الأقطاب، وتتحرك فيه دول وفاعلون غير حكوميين بلا اكتراث حقيقي للقرارات الدولية، وغزة نفسها مثال صارخ على هذا الفشل المزمن.

تكوين «مجلس السلام» يعكس هذا التحول الواقعي، الهدف لم يعد التوازن الجغرافي أو النقاء الأيديولوجي، بل النفوذ والقدرة على التأثير، وهذا يفسر حضور شخصيات ودول مثيرة للجدل، وقبولها الانخراط في نموذج جديد يُطلب منه أن يفعل ما عجزت عنه المؤسسات القائمة.

استبدال الأمم المتحدة، أو الالتفاف عليها، ليس بلا مخاطر، تركيز السلطة وتهميش الإجماع قد يفتح الباب لإساءة الاستخدام. لكن في المقابل، الإصرار على التمسك بمؤسسة فقدت فعاليتها منذ زمن يحمل مخاطر لا تقل خطورة.

في النهاية، قد لا تكون غزة مجرد أزمة أخرى في سجل الصراعات، بل نقطة بداية لفصل جديد في العلاقات الدولية، فصل يُعيد تعريف مفهوم السلام نفسه: ليس كخطاب أخلاقي، بل كقوة تُمارَس بمسؤولية.