
عادت وثيقة قديمة من أرشيف مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي لتثير موجة جديدة من الفضول والسخرية والخوف.
الوثيقة، التي تعود إلى عام 1955، لا تثبت أن كائنات فضائية زارت الأرض، لكنها تكشف شيئًا ربما لا يقل إثارة: كيف كانت السلطات الأمريكية تتعامل بجدية أمنية مع جماعات تؤمن بتلقي رسائل من “رجال الفضاء”، وكيف دخلت أوهام الخمسينيات إلى ملفات الدولة باسم الأمن القومي.
القصة التي انتشرت خلال الساعات الماضية تقول إن وثائق جديدة للـFBI كشفت رسائل مرعبة من كائنات فضائية تعتبر البشر “أدنى أشكال الوجود الكوني”.
لكن القراءة الدقيقة للملف تقود إلى نتيجة أكثر عقلانية: نحن أمام مزاعم نقلها عضو في نادٍ أمريكي للأطباق الطائرة إلى عملاء فيدراليين، لا أمام اعتراف حكومي بوجود كائنات فضائية أو رسالة مؤكدة من خارج الأرض.
إقرأ أيضا: هل الكائنات الفضائية موجودة؟
الرسالة الصادمة: البشر “أدنى أشكال الوجود الكوني”
بحسب تقارير إعلامية نقلت مضمون المذكرة، فإن الملف يعود إلى مقابلة أجراها عملاء الـFBI في يناير 1955 مع راندال كوكس، أحد أعضاء Detroit Flying Saucer Club، وهو نادٍ أمريكي قديم كان مهتمًا بالأطباق الطائرة في ذروة الهوس الشعبي بهذه الظاهرة بعد الحرب العالمية الثانية.
قال كوكس، وفق ما ورد في التقارير، إن النادي تلقى رسائل من كائنات فضائية تزعم أن كل الكواكب الأخرى في المجرة “غزت الفضاء الخارجي” أو “سيطرت عليه”، بينما بقيت الأرض متأخرة في هذا السباق الكوني، والأكثر استفزازًا أن هذه الكائنات، كما نقل كوكس، كانت تنظر إلى البشر باعتبارهم “أدنى أشكال الوجود الكوني”.
كما تضمنت الرواية المنسوبة إلى كوكس أن الهدف من الاتصالات مع الأرض في تلك المرحلة كان “إعداد الناس لتلقي عمليات هبوط من الفضاء الخارجي”. ونقلت تقارير عن الوثيقة أن الأطباق الطائرة، وفق مزاعم أصحاب البلاغ، كانت “صديقة للولايات المتحدة”، وهي عبارة تعكس مناخ الحرب الباردة بقدر ما تعكس خيال مؤمني الأطباق الطائرة.
لكن جوهر القصة هنا أن الـFBI لم يقل إن الكائنات موجودة، ما حدث أن المكتب سجّل أقوال شخص قال إنه تلقى أو عرف رسائل من كائنات فضائية، وهذا فارق هائل بين “وثيقة حكومية عن مزاعم” و”دليل حكومي على كائنات فضائية”.
إقرأ أيضا: إنجلبرت همبردنك: الكائنات الفضائية هم بناة الأهرامات
لماذا اهتم الـFBI بهذه القصة أصلًا؟
في خمسينيات القرن الماضي، كانت الولايات المتحدة تعيش تحت ضغط الحرب الباردة، والخوف من التجسس السوفييتي، والهلع النووي، والذعر من أي جماعة أو خطاب يمكن أن يتحول إلى تهديد أمني أو سياسي.
لذلك لم يكن غريبًا أن يهتم مكتب التحقيقات الفيدرالي بجماعات الأطباق الطائرة، لا لأنه يؤمن بالضرورة بالفضائيين، بل لأنه كان يراقب أي نشاط غريب قد يرتبط بأمن الدولة أو الهستيريا الجماعية أو الدعاية المعادية.
الملف، كما عرضته التقارير، لا يثبت أن المكتب تعامل مع كوكس باعتباره نبيًا فضائيًا، بل كصاحب ادعاءات تستحق التسجيل والتحقق من زاوية الأمن القومي.
وقد ورد أيضًا أن أحد شركاء كوكس، وهو جون هوفمان، كان ينظر إليه المكتب بدرجة أكبر من الشك، مع ملاحظة أن أفكاره ربما تجاوزت “مجال الحقيقة العلمية” إلى ما يشبه “الخيال العلمي المحتمل”، بحسب الصياغات المنقولة عن الوثائق.
إقرأ أيضا: أقوى دليل يثبت أن الكائنات الفضائية موجودة
رحلة من نيو مكسيكو إلى نيويورك في 30 دقيقة
من أكثر التفاصيل غرابة في الملف أن كوكس تحدث، بحسب التقارير، عن فني في قاعدة سانديا الجوية في نيو مكسيكو يدعى جون فراي، زعم أنه قاد طبقًا طائرًا من نيو مكسيكو إلى نيويورك في نحو 30 دقيقة فقط.
هذه الرواية وحدها تكفي لتوضيح طبيعة المادة التي كانت أمام العملاء، إذ انها خليط من خيال تقني، وحماس ديني-كوني، وروايات لا يمكن التحقق منها بسهولة، لكنها كانت قادرة على إثارة اهتمام السلطة في زمن مهووس بالأسرار العسكرية.
الوثائق أشارت أيضًا، وفق التقارير، إلى تشابه بين روايات كوكس وادعاءات دوروثي مارتن، وهي شخصية أمريكية من خمسينيات القرن الماضي اشتهرت بقيادة جماعة تؤمن بأنها تتلقى رسائل من كائنات أو “حراس” عبر التخاطر.
قالت مارتن إن فيضانًا هائلًا سيضرب الأرض في 21 ديسمبر 1954، لكن الكارثة لم تقع، بعد فشل النبوءة، فسّرت النجاة بأنها نتيجة “نور وإيمان” أتباعها.
هذه الحادثة صارت لاحقًا نموذجًا كلاسيكيًا في علم النفس الاجتماعي لدراسة التنافر المعرفي، أي رفض الإنسان التخلي عن معتقده حتى بعد ظهور دليل واضح على خطئه. بدل أن يقول المؤمن: “كنت مخطئًا”، يعيد تفسير الفشل كدليل جديد على صحة إيمانه.
