
لم تكن حادثة استهداف ميناء دمياط مجرد حريق عابر في سفينتين للغاز، ولا خللًا تقنيًا محدودًا داخل ميناء مصري.
التحقيقات الأولية التي أعلنتها الحكومة المصرية أكدت أن ما جرى كان نتيجة هجوم بطائرة مسيرة، استهدف منشأة حساسة على الساحل المتوسطي وأصاب سفينة تخزين وإعادة تغويز مملوكة لشركة أمريكية، قبل أن تمتد النيران إلى سفينة أخرى.
ومع ذلك، ما تزال القاهرة حتى الآن عاجزة عن تحديد الجهة التي أطلقت الطائرة، والمكان الذي جاءت منه، وكيف تمكنت من الوصول إلى واحد من أهم موانئ الطاقة في البلاد.
هذه الفجوة وحدها تجعل استهداف دمياط إهانة أمنية لمصر قبل أن يكون مجرد حادث إقليمي جديد. فالدولة التي تقدم نفسها باعتبارها قوة عسكرية كبرى، وتمتلك واحدًا من أكبر الجيوش في المنطقة، وجهازًا أمنيًا واسع النفوذ، لم تستطع بعد أن تقول للرأي العام من اخترق مجالها أو مياهها، ومن ضرب هدفًا اقتصاديًا يقع داخل ميناء استراتيجي، وما إذا كانت الطائرة قد جاءت من البحر أو أطلقت من منصة أقرب إلى الأراضي المصرية.
لا توجد حتى الآن أدلة علنية حاسمة تسمح بالقول إن إيران أطلقت الطائرة مباشرة، أو إن الحوثيين نفذوا الهجوم نيابة عنها.
ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها رسميًا. لكن غياب التبني لا يخرج الحادث من سياقه الإيراني، لأن الهجوم وقع وسط توسع واضح في حرب إيران وحلفائها، وبعد ضربات إيرانية استهدفت مصالح أمريكية في الأردن والكويت، وبعد إعلان الحوثيين حصارًا بحريًا على السعودية، وفي وقت كانت فيه طهران تحاول إثبات أن خطوط الطاقة والملاحة في المنطقة لن تكون آمنة إذا استمر الضغط العسكري عليها.
وقد كشف مصدران إيرانيان لصحيفة نيويورك تايمز أن الهجوم الذي استهدف ميناء دمياط في مصر بطائرة مسيّرة “يهدف إلى إظهار أن حركة الشحن العالمية وإمدادات الطاقة يمكن أن تتعرض لاضطرابات أوسع إذا قررت إيران تصعيد المواجهة”.
وهذه ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها صورة مصر القوية عسكريا لضربة مهينة من المحور الإيراني، إذ سبق أن تسببت هجمات جماعة الحوثي في البحر الأحمر في خسائر مالية ضخمة لمصر تجاوزت 9 مليارات دولار، وتمثلت في تراجع إيرادات وانخفاض حركة العبور في قناة السويس.
المفارقة أن مصر لم تكن طرفًا مباشرًا في الحرب الجارية ضد إيران، ولم تعلن دخولها في العمليات العسكرية، بل حاولت طوال الأزمة الحفاظ على مسافة من المواجهة، كما أنها لعبت دور الوساطة ما أثار غضب الخليجيين الذين كانوا ينتظرون منها دعما عسكريا وليس الحياد السلبي.
اقرأ أيضا: لماذا استهدفت إيران ميناء دمياط؟ رسالة للرياض والقاهرة
