إنجاب الأطفال وكذبة السعادة في زمن الربا

Translucent Fragments Of A Broken Family Painting by Kenneth Agnello

تظهر الأبحاث (مرارًا وتكرارًا) أن إنجاب الأطفال يقلل من السعادة على الرغم من أن الآباء يعتقدون أن ذلك سيجعلهم أكثر سعادة.

تُعرف هذه الظاهرة باسم “مفارقة الأبوة” أو “The Parenthood Paradox”، حيث النتائج النهائية مختلفة تماما عن التوقعات الوردية للآباء.

إذا كنت تنظر إلى الأطفال من منظور السعادة الشخصية، فإن مراحل الحياة الزوجية بدون أطفال هي أسعد الفترات في حياة الرجل والمرأة على حد سواء.

السعادة هشة للغاية:

من المعلوم أن السعادة خصوصا المرتبطة بالمادة من أموال وأولاد وشهوات هي مؤقتة تنتهي سريعا ولا تبقى طويلا، وهي هشة إذ أي خبر سيء أو تطورات مقلقة تقضي على تلك السعادة.

كذلك إنجاب طفل قد يكون حدثا سعيدا للأب والأم في البداية، لكن مع نموه وتزايد متطلبات عيشه والمسؤولية لتربيته والإعتناء به ومشاكله حتى يصبح قضية مقلقة ومصدر تعاسة لهما.

بعض الزوجات ينتظرن ولدا وما أن ينجبن حتى يشتكين من قلة النوم بسببه والمشاكل الصحية ومع تكرار العملية مرات عديدة تغرق الزوجة في نفس الأحاسيس السلبية.

أما الأب فقد يشتكي من تزايد مصاريف الحياة هذا إن كان من الطبقة الفقيرة أو حتى المتوسطة، لكن إن كان غنيا يمكنه أن يوفر ظروفا أفضل، غير أنه سيتألم عندما يصبح ذلك الولد مراهقا أو شابا وتتضح شخصيته الحقيقية وتتزايد المشاحنات بينهما.

أين تلك السعادة التي غمرت الأم والأب بخبر الحمل وقرب الإنجاب؟ لقد أصبحت من الماضي ومع مرور السنوات تتزايد المسؤولية والمشاكل والصعوبات، وقد رأينا أنه حتى إن تزوج الإبن فإن مشاكله والعلاقات العائلية الجديدة تزيد من المسؤولية عليهما.

عوامل اقتصادية ومالية تجعل انجاب الأطفال أمرا مرهقا:

هناك عوامل في حال وجودها في حياة الزوجين يتعين عليهما الحذر من الإنجاب، أهمها الفقر وقلة المدخول، عند انجاب الأطفال في هذه الحالة تتحول الحياة إلى كابوس حقيقي.

يحدث هذا كثيرا في دول العالم الثالث أو الدول النامية حيث الحكومات ليس لديها برامج رعاية للأطفال ودعم الإنجاب، لأنه ببساطة لا تعاني تلك الدولة من قلة البشر بل تعاني من تزايد الكثافة السكانية.

هذه العوامل مقلقة أيضا في الولايات المتحدة الأمريكية، فرغم عدد من البرامج إلا أن الأزواج الذين أنجبوا أقل سعادة من الأزواج بدون أطفال.

من النتائج الدائمة لأدبيات العلوم الاجتماعية أن الآباء أقل سعادة من البالغين الذين ليس لديهم أطفال، اعتمدت معظم الدراسات التي أبلغت عن هذه النتيجة على بيانات من الولايات المتحدة، وتحليل حديث لبيانات من 22 دولة أجرته عالمة الاجتماع جينيفر جلاس وزملاؤها يضع النتائج الأمريكية في منظورها الصحيح.

في الواقع الآباء الأمريكيون أقل سعادة هنا من أقاربهم الناطقين بالإنجليزية في إنجلترا وأستراليا، في بعض البلدان ولا سيما النرويج والمجر يكون الآباء في الواقع أكثر سعادة من غير الوالدين.

في الدول الأخرى غير الولايات المتحدة الأمريكية هناك دعم قوي للأبوة وقوانين تفرض على الشركات منح إجازة الأبوة والدعم المادي والتسهيلات للنساء اللواتي ينجبن.

ضع أيضا بعين الإعتبار أنه في الدول العربية والإسلامية لا تتوفر هذه البرامج بل إن الشاب يعيش مع أبويه فترة طويلة حتى أزيد من 30 عاما، والأسوأ أن هناك من يتزوج دون أن يستقل تماما عن والديه وتلك كارثة أخرى.

عصر الربا الذي نعيش فيه ومسألة الإنجاب:

يقول أرسطو وأفلاطون والعقلاء من الفلاسفة في كلام متوافق تماما مع كلام الله، أن المجتمع الذي يتفشى فيه الربا تنعدم فيه الرحمة وتقسو فيه القلوب وتنتهي المحبة وليس به سوى المشاكل والحزن.

يقول أفلاطون أن الربا يتناقض مع المواطنة الصالحة لأنه يفرز الضغينة والتناحر في المجتمع، وكذلك أرسطو الذي يرى أن أسوأ شيء في كسب النقود وأبغضها هو الربا.

عالمنا اليوم قائم على الربا، تقترض الدول من بعضها البعض ومن البنوك العالمية بالربا، وتصدر السندات لتجمع التمويل وتعيد ما جمعته بالفائدة أو الربا.

داخليا فإن البنك المركزي بكل بلد في العالم يستخدم سعر الفائدة لتزويد البنوك التجارية بالسيولة والتأثير على قيمة العملة مقابل العملات النقدية الأخرى.

أما التجار والمستثمرين فأغلبهم يقترضون من البنوك لإتمام الصفقات وكلهم يسعى للربح ولا يهمه المستهلك النهائي لذا يتزايد التضخم وأسعار السلع.

ونتيجة لكل ذلك يتزايد الفرق بين الأغنياء والفقراء، ويتزايد الحقد الطبقي والحسد والكراهية وتموت الضمائر وتقل الأمانة والتقدير.

المتأمل في مجتمعاتنا يرى كل هذا الحقد ويلاحظ بعينيه تزايد تكاليف المعيشة والعبودية الحديثة، فيتساءل عن مصدر كل هذا الإنهيار.

لقد تحقق حديث النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال: “لَيَأْتِيَنّ علَى النّاسِ زَمَانٌ لاَ يَبْقَى أحَدٌ إلاّ أكَلَ الرّبَا، فَإنْ لَمْ يَأْكُلْهُ أصَابَهُ مِنْ غُبَارِهِ”.

ومن هذا المنطلق يمكننا أن نلاحظ شيء آخر أسوأ يحدث إلى جانب غياب البركة في المال وهي غياب البركة في الولد، لذا قد ينجب المرء 7 أبناء ويتخلون عنه في آخر أيامه فيرى ما عمل سرابا ووهما.

لقد ازداد عقوق الوالدين بشكل مخيف وأصبحنا نسمع ونرى أبناء لا يحترمون آبائهم، ويمكن أن تجده من حفظة القرآن لكن لا فائدة منه لأبويه، أو حسن وكريم معهما أمام الكاميرات وقبيح في السر معهما.

ومع انهيار التعليم وانتشار تيك توك وما نراه من المراهقين والشباب من سب وشتم ولغو في مقاطع الفيديو، ينبغي أن يفكر المرء كثيرا ويضع شهوة الأبوة أو الأمومة جانبا.

إقرأ أيضا:

ما أشبه طرد آدم وحواء من الجنة بما يحدث مع آكل الربا

الربا أصبح حلال في تركيا ومصر والقادم أسوأ

سعر الفائدة أو الربا هي أكبر ديانة في العالم

لماذا تخزن البنوك المركزية الذهب رغم نهاية معيار الذهب؟