
عادت قناة “الرحمة” الفضائية إلى واجهة الجدل في مصر، بعد قرار دائرة فحص الطعون بالمحكمة الإدارية العليا، الدائرة الخامسة عليا فحص، إحالة طعن يطالب بإلغاء ترخيص القناة وحظر منصاتها الرقمية إلى دائرة الموضوع لنظره، في خطوة قانونية تعني أن الملف لم يُغلق بعد، وأن القضية ستنتقل إلى مرحلة أعمق من الفحص القضائي.
الطعن، المقام من الدكتور هاني سامح المحامي، يحمل رقم 13537 لسنة 72 قضائية عليا، ويستهدف الحكم السابق الصادر من محكمة القضاء الإداري بعدم قبول دعوى إلغاء ترخيص قناة “الرحمة” لانتفاء شرط المصلحة.
لكن الإحالة الجديدة أعادت القضية إلى الواجهة، خصوصًا أن الطعن لا يتحدث فقط عن قناة دينية، بل يطرح سؤالًا أكبر: هل يمكن للدولة أن تتدخل لإيقاف قناة أو منصة إعلامية إذا اتُهمت بترويج خطاب ديني متشدد أو تهديد السلم الاجتماعي؟
لماذا عادت قناة الرحمة إلى المحكمة؟
القضية بدأت بدعوى تطالب بإلغاء ترخيص قناة “الرحمة” الفضائية، وحظر صفحاتها على يوتيوب ووسائل التواصل الاجتماعي، ووقف البث وتجميد الأنشطة المرتبطة بها، استنادًا إلى اتهامات بتبني خطاب ديني سلفي متشدد.
محكمة القضاء الإداري كانت قد قضت بعدم قبول الدعوى شكلًا، بسبب انتفاء شرط المصلحة، وهو ما دفع المحامي هاني سامح إلى الطعن أمام المحكمة الإدارية العليا.
ويرى الطعن أن حكم أول درجة ضيّق مفهوم المصلحة في دعاوى الإلغاء، رغم أن الأمر، وفقًا لصاحب الطعن، لا يتعلق بخصومة شخصية، بل بتنظيم المجال الإعلامي وحماية الجمهور من خطاب يوصف بأنه متطرف أو محرض أو مخالف لضوابط البث.
إقرأ أيضا: إلغاء الإعدام في مصر؟ بلاغ جديد من المحامي هاني سامح
ماذا يطلب الطعن ضد قناة الرحمة؟
بحسب ما ورد في صحيفة الطعن، فإن الطلبات لا تقتصر على إلغاء ترخيص القناة فقط، بل تشمل اتخاذ تدابير قانونية ضد قناة “الرحمة” ومنصاتها، من بينها الفحص، والإنذار، ووقف البث، والحجب، وتوقيع الجزاءات، والإحالة التأديبية عند الاقتضاء.
وتظهر إحدى الصفحات المتداولة من صحيفة الطعن أن مقدمه يطلب، بصفة مستعجلة، وقف تنفيذ القرار السلبي الصادر عن المجلس الأعلى للإعلام والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بالامتناع عن إلغاء ترخيص قناة الرحمة الفضائية، وحظر صفحاتها على يوتيوب ووسائل التواصل الاجتماعي، وما يترتب على ذلك من آثار، بينها وقف البث وتجميد المؤسسة وحظر أنشطتها.
كما يطالب الطعن بوقف ما وصفه بأداء العمل الإعلامي والدعوي من طرف منسوبي القناة ومحاوريها، بدعوى عدم حصولهم على تراخيص لممارسة النشاط الدعوي السلفي، وعدم الترخيص لهم إعلاميًا على أساس مذهبي ديني سلفي، مع إحالتهم للتأديب أمام نقابة الإعلاميين.
إقرأ أيضا: إطلاق سراح هدير عبد الرازق في هذا الموعد؟
اتهامات بالترويج لخطاب سلفي متشدد
أخطر ما في الطعن أنه لا يتعامل مع قناة “الرحمة” بوصفها مجرد قناة دينية تقليدية، بل يصفها بأنها منبر لخطاب ديني مذهبي سلفي مؤدلج، يعاد تقديمه من خلال برامج ثابتة وضيوف متكررين.
وبحسب أسباب الطعن، فإن محتوى القناة يتجاوز حدود الرأي الديني أو الوعظ العام إلى خطاب تعبوي يرسخ التمييز والكراهية، ويخالف ضوابط العمل الإعلامي وقواعد الترخيص، فضلًا عن ممارسة أنشطة دعوية عبر البث الفضائي والمنصات الرقمية دون التصاريح اللازمة من الجهات المختصة.
ويقول الطعن إن القناة، من حيث البناء والوظيفة والمحتوى، لم تعد مجرد مساحة دينية، بل تحولت إلى منصة ممنهجة لنشر خطاب مذهبي، بما يهدد مدنية الدولة ووحدة النسيج الاجتماعي، وفق ما ورد في صحيفة الطعن.
اسم مصطفى العدوي حاضر في الملف
ركزت أسباب الطعن أيضًا على الداعية السلفي مصطفى العدوي، باعتباره من الأسماء البارزة المرتبطة ببرامج قناة “الرحمة”، حيث أشار الطعن إلى وجود مواد وروابط وتفريغات منسوبة إليه ضمن حوافظ الدعوى.
وتتحدث صحيفة الطعن عن محتوى منسوب للعدوي يتضمن، وفق مقدم الطعن، إساءة للحضارة المصرية القديمة ومناهضة للهوية الثقافية، فضلًا عن بلاغ قيد التحقيق أمام نيابة أمن الدولة العليا برقم 1251051، بشأن وقائع تتعلق بخطاب ديني متشدد واستخدام المنصات الرقمية في نشر محتوى تحريضي.
وهنا تنتقل القضية من مجرد نزاع إداري حول ترخيص قناة، إلى معركة أوسع حول حدود الخطاب الديني في الإعلام، ومدى مسؤولية الدولة عن المحتوى الذي يصل إلى الجمهور عبر القنوات الفضائية والمنصات الرقمية.
إقرأ أيضا: دعوى قضائية ضد قرار حجب روبلوكس في مصر
هل يمكن حجب قناة الرحمة؟
من النقاط الأساسية في الطعن أن الولاية التنظيمية في مجال الإعلام والبث لا تقف، بحسب مقدمه، عند مكان إنتاج المحتوى أو الدولة التي يصدر منها، بل تمتد إلى أثر هذا المحتوى داخل مصر متى كان متاحًا للجمهور المصري.
ويقول الطعن إن الطبيعة الرقمية أو العابرة للحدود لا تمنع تدخل السلطات المختصة إذا وقع الضرر داخل البلاد، معتبرًا أن الحجب والمنع داخل الإقليم من الأدوات القانونية التي يملكها المنظم الإعلامي لمواجهة المحتوى المخالف.
هذه النقطة قد تكون مركزية في نظر دائرة الموضوع، لأنها تتعلق بواحد من أكثر الأسئلة حساسية في العصر الرقمي: أين تنتهي حرية البث والتعبير؟ وأين يبدأ واجب الدولة في تنظيم المحتوى ومنع التحريض والكراهية؟
القضية ليست حكمًا بإغلاق القناة
رغم الضجة التي أثارها الخبر، فإن إحالة الطعن إلى دائرة الموضوع لا تعني صدور حكم بإلغاء ترخيص قناة “الرحمة”، ولا تعني أن القناة ستُغلق فورًا.
المعنى القانوني الأقرب أن دائرة فحص الطعون رأت أن الطعن يستحق النظر أمام دائرة الموضوع، بدلًا من رفضه أو استبعاده من هذه المرحلة. أما القرار النهائي، فسيصدر لاحقًا بعد نظر المحكمة لموضوع الطعن وطلبات الخصوم والمستندات المقدمة.
لذلك، فإن القضية الآن أمام محطة قضائية مهمة، لكنها لم تصل بعد إلى حكم نهائي باتخاذ إجراءات ضد القناة.
إقرأ أيضا: بلاغ رسمي: عبد الله رشدي متهم بتزوير عقد زواج أمنية حجازي
لماذا تبدو القضية مثيرة؟
تأتي إثارة القضية من أنها تجمع ثلاثة ملفات ملتهبة في وقت واحد: الإعلام الديني، التيار السلفي، وسلطة الدولة في تنظيم المنصات الفضائية والرقمية.
فأنصار القناة قد يعتبرون الطعن استهدافًا لخطاب ديني محافظ أو محاولة لإسكات تيار ديني له جمهوره. أما مؤيدو الطعن فيرون أن المسألة لا تتعلق بحرية الرأي، بل بمحتوى مذهبي متشدد يتعارض مع مدنية الدولة ومعايير العمل الإعلامي.
إحالة طعن إلغاء ترخيص قناة الرحمة إلى دائرة الموضوع بالمحكمة الإدارية العليا أعادت واحدًا من أكثر ملفات الإعلام الديني حساسية إلى الواجهة.
الطعن يطالب بإلغاء الترخيص وحظر المنصات ووقف البث، متهمًا القناة بتبني خطاب سلفي متطرف وممارسة نشاط دعوي وإعلامي مخالف للقواعد المنظمة. في المقابل، لم يصدر بعد حكم نهائي بإغلاق القناة أو سحب ترخيصها.
القضية الآن لم تعد مجرد نزاع إداري حول قناة فضائية، بل اختبار قانوني وسياسي وإعلامي لطريقة تعامل الدولة مع الخطاب الديني المتشدد في زمن لم تعد فيه الشاشة وحدها هي المشكلة، بل يوتيوب والمنصات الرقمية أيضًا.
إقرأ أيضا: لماذا لا تحارب داعش إسرائيل؟ الجواب في كتب السلفية
